اليكم الان الانهيار الصّامت للفضاء العام في تونس : عندما تتحول الفوضى إلى سياسة أمر واقع والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس
هناك مشاهد أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية إلى درجة أننا نراها باستمرار في تونس، حتى كأننا لم نعد نراها: أكوام من القمامة في الشوارع والأحياء، متسولون في الطرقات والأسواق والأماكن العامة، وكلاب سائبة في محيط المساكن والمدارس والمرافق العامة.
العقيد محسن بن عيسى *
المشكلة ليست في وجود هذه الظواهر فحسب، وإنما في أن بعضها أصبح مألوفًا إلى درجة أننا توقفنا عن التساؤل حول أسبابها والمسؤوليات المرتبطة بها. وما نراه في الشارع ليس سوى الجزء المرئي من مسالة أوسع. فالجزء الأعمق، يتصل بالقيم والسلوك، وبالأمن، وبالثقة في المؤسسات وقدرتها على معالجة ما يمس حياتنا اليومية. وهنا يصبح السؤال: كيف تحول الخلل من أمر نرفضه إلى مشهد نتعايش معه؟
حين يصبح الخلل مشهدًا عاديًا
لعل أخطر ما في الظواهر الاجتماعية ليس وجودها وحدها، وإنما اعتيادنا عليها. عندما نمرّ يوميًا بجانب مصبات عشوائية دون أن تثير فينا شيئًا، أو نرى متسولًا دون أن نتساءل عن أسباب وجوده.
هذه الظواهر، حين تتكرر وتستمر، تصبح مؤشرات على طريقة تعاملنا مع الفضاء العام، وعلى علاقتنا بالقانون، وعلى مستوى التنظيم والخدمات، وعلى قدرتنا الجماعية على معالجة الإشكاليات قبل أن تتحول إلى أمر مألوف.
ولو أن أحدًا قرأ التاريخ الذي نردده في المنتديات والمناسبات، لربما ظن أننا أمّة تعرف جيدًا معنى النظام، والنظافة، والمسؤولية، واحترام المجال العام. لكننا تراجعنا، فشوارعنا وطرقاتنا وفضاءاتنا لم تكن، في الستينيات والسبعينيات، وحتى الثمانينات والتسعينات على الصورة التي نراها اليوم. وليس المقصود أن الماضي كان خاليًا من الضعف والنقص، أو أن أجيال الأمس كانت تعيش في مدينة مثالية، المقصود أن دائرة “العادي” نفسها اتسعت أو ضاقت وتبدلت مع تغير المجتمع، والثقافة والقيم.
لكن الحديث عن القمامة والتسول والكلاب السائبة لا يعني أن هذه المظاهر تختصر وحدها ما يحدث في حياتنا المشتركة. فالفضاء الذي نعيش فيه يشكو أيضًا من اختلالات أخرى، بعضها أكثر عمقًا وأقل ظهورًا: تراجع بعض القيم، وضعف احترام القانون، ومظاهر العنف والفوضى، وتراجع الإحساس بالمسؤولية تجاه الآخر وتجاه المجتمع. فالشارع النظيف والمنظم لا يصنع وحده مجتمعًا سليمًا، كما أن معالجة القمامة أو الحد من التسول أو التعامل مع الكلاب السائبة لا تكفي وحدها لمعالجة تراجع القيم أو ضعف احترام القانون.
من هنا، فالسؤال الحقيقي ليس: هل اعتدنا المشكلة؟ بل كيف نستعيد فضاءً عامًا أكثر أمنًا، ونظامًا واحترامًا للإنسان والقانون؟
أبعاد الأزمة ومسؤولياتها
نأمل أن تكون بلادنا وجهة سياحية توفر الدخل وفرص العمل، وأن تكون صورتها في الخارج طيبة بما يساعد على جذب الاستثمارات وتعزيز الثقة فيها. لكن هذه التطلعات تصطدم أحيانًا بمشهد يومي يقول شيئًا مختلفًا. إنّ الصورة التي نُصدّرها عن أنفسنا، تُبنى في تفاصيل الحياة اليومية لدينا قبل أن تُبنى في الحملات الإعلامية، وإدارة الشارع ليست مسألة تجميل، إنها جزء من إدارة صورة البلاد واقتصادها.
وللعلم فإن تحول هذه المظاهر من حالات استثنائية إلى مشهد يومي، ينقُلها من دائرة الظواهر الاجتماعية إلى دائرة الشأن العام، أي إلى قدرة المؤسسات على التخطيط والتدخل والمتابعة وتطبيق القانون. لا يقتصر مفهوم النظام العام في القانون الإداري، على منع الجريمة، وإنما يرتبط تقليديًا بثلاثة عناصر: الأمن العام (حماية الأشخاص والممتلكات والوقاية من المخاطر)، والسكينة العامة (حماية المواطنين من مصادر الإزعاج والفوضى التي تعكر حياتهم اليومية)، والصحة العامة (الوقاية من الأمراض وسلامة البيئة والغذاء).
ومن هذه الزاوية، فإن القمامة المتراكمة، وانتشار الكلاب السائبة، وبعض مظاهر التسول والفوضى، لا يمكن النظر إليها فقط باعتبارها ظواهر اجتماعية، فهي قد تمس، بدرجات مختلفة، عناصر النظام العام الثلاثة، وتدخل بذلك في صميم مسؤولية إدارة الفضاء العام وحمايته. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل نحن أمام ظواهر اجتماعية فحسب، أم أمام قصور في حماية عناصر هذا النظام؟
ليس من الإنصاف تحميل طرف واحد مسؤولية كل ما يحدث. المواطن مسؤول عن سلوكه، وعن احترام الفضاء العام. والمجتمع مسؤول حين يتعايش مع مظاهر الخلل دون اعتراض أو مبادرة، فيسهم، بطريقة أو بأخرى، في جعلها مألوفة. والبلدية والإدارة والدولة مسؤولة، كلٌّ في حدود اختصاصه، عن توفير الخدمات، وتنظيم الفضاء العام، وتطبيق القانون. لكن القول إن المسؤولية مشتركة لا ينبغي أن يعني أن المسؤولية تصبح بلا صاحب: فوجود قوانين دون تطبيق، أو خدمات دون انتظام، أو خطط دون متابعة، يجعل المشكلة قابلة للاستمرار مهما كانت درجة وعي المواطن. لذلك فالمطلوب ليس البحث عن مذنب واحد، بل تحديد المسؤوليات بوضوح: أين يبدأ الخلل وأين ينتهي، ومن يملك القدرة على التدخل والقرار؟
من الوهم إلى الجاهزية
ربما تكمن المشكلة الأعمق في أننا لا نكتفي أحيانًا بالتعايش مع الخلل، بل نتحول إلى تبريره. يصبح الوهم صناعة جماعية، نصنعها بالخطاب، ونغذيها بالشعارات، ونحتمي بها كلما واجهنا واقعًا لا يشبه الصورة التي نحب أن نراها عن أنفسنا. والعجيب أننا، عند اشتداد الأزمة، نتحول فجأة من أبطال في الخطابات إلى ضحايا في الواقع. نرفع الشعارات عندما يكون الوقت متاحًا، ثم نبحث عن الحلول عندما تصبح الكلفة أكبر. وهذه ليست مسالة خطاب سياسي وحده، بل ثقافة أوسع تجعلنا نؤجل مواجهة المشكلة ما دامت لم تتحول بَعْدُ إلى أزمة يصعب تجاهلها.
المشهد اليوم لا يعالجه منشور رسمي، ولا مؤتمر صحفي، ولا خطاب سياسي. ما نحتاجه هو الجاهزية المسبقة: أن نرى المشكلة قبل أن تستفحل، وأن نحدد المسؤوليات قبل وقوع الأزمة، وأن تكون لدينا خطط للتدخل، وآليات للمتابعة، وقدرة حقيقية على تنفيذ ما نخطط له. فالأمم لا تحافظ على مكانتها بالشعارات، ولا تبني مستقبلها بالوهم، وإنما بامتلاك القدرة على رؤية الخلل، والاعتراف به، والتخطيط لمعالجته، والتدخل قبل أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بالقمامة وحدها، ولا بالمتسولين أو الكلاب السائبة وحدهم، فهذه مجرد مظاهر لشيء أوسع يتعلق بكيفية إدارة الفضاء الذي نتقاسمه جميعًا. الخطر الحقيقي ليس أن نرى القمامة في الشارع، أو المتسول في السوق، أو الكلاب السائبة في محيط المدارس، بل أن نراها كل يوم، ثم نواصل السير وكأننا لم نر شيئًا. فالمجتمعات لا تتراجع فقط عندما تعجز عن حل قضاياها، وإنما أيضًا عندما تفقد القدرة على رؤية الاشكالية بوصفها إشكالية. وهنا تحديدًا، ينبغي أن نستعيد أول ما خسرناه:
عينًا مجردة تشاهد الخلل لتصلحه، لا لتعتاده.
* ضابط متقاعد في الحرس الوطني.
ظهرت المقالة الانهيار الصّامت للفضاء العام في تونس : عندما تتحول الفوضى إلى سياسة أمر واقع أولاً على أنباء تونس.
الانهيار الص امت للفضاء العام في تونس عندما تتحول الفوضى إلى سياسة أمر واقع
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
أنباء تونس الانهيار الص امت للفضاء العام في تونس عندما تتحول
كانت هذه تفاصيل الانهيار الصّامت للفضاء العام في تونس : عندما تتحول الفوضى إلى سياسة أمر واقع نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

