اليكم الان قراءة معمقة للنائب محمد علي بخصوص المجلس الأعلى للتربية و التعليم والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس
المجلس الأعلى للتربية والتعليم: بين استكمال مؤسسة دستورية وغياب الخبرة التربوية وتأجيل الرقابة الدستورية
ان تسمية أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم ونشرها بالرائد الرسمي أكثر من كونها مجرد استكمال تركيبة مؤسسة نصّ عليها الدستور يفتح على سؤالين مترابطين: أي معرفة تريد الدولة أن تعتمد عليها في مستقبل التربية والتعليم؟ وأي مؤسسات تريد أن تفعّلها داخل تصورها لنظام الحكم؟فالمجلس الأعلى للتربية والتعليم، بحكم طبيعته ومهامه، يفترض أن يكون فضاءً للتفكير الاستراتيجي في مستقبل المدرسة والجامعة والتكوين، وتقديم الرأي والمقترحات وتقييم الخيارات والسياسات العمومية في مجال شديد التعقيد والحساسية. لكن تركيبته تطرح منذ البداية، سؤالاً مشروعاً حول مدى حضور علوم التربية والاختصاصات المرتبطة بها في صلب المؤسسة، لا باعتبارها الاختصاص الوحيد المطلوب، وإنما باعتبارها أحد الاختصاصات التي يصعب تصور إصلاح تربوي جدي من دون حضورها.وفي المقابل، يطرح استكمال المجلس الأعلى للتربية والتعليم مفارقة مؤسساتية وسياسية أوسع، تتمثل في تفعيل هيئة استشارية بينما تظل المحكمة الدستورية، وهي الهيئة القضائية المستقلة المكلفة أساساً بمراقبة دستورية القوانين، غائبة. وبين المسألتين رابط يتجاوز الصدفة الزمنية، لأنه يتعلق بطبيعة المؤسسات التي يجري تفعيلها داخل النظام السياسي القائم.
تنوع الاختصاصات لا يعوّض غياب علوم التربية:لا شك أن تنوع الاختصاصات داخل أي هيئة استشارية يمكن أن يثري النقاش ويوسع زوايا النظر، كما أن المجلس الأعلى للتربية والتعليم لا يمكن اختزاله في اختصاص أكاديمي واحد بالنظر إلى اتساع القضايا التي تتصل بالتربية والتعليم والتكوين والثقافة ومستقبل المدرسة والجامعة.لكن الاعتراف بأهمية التنوع لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للتقليل من أهمية حضور علوم التربية داخل تركيبة المجلس . فالمسألة لا تتعلق بالمطالبة بأن يكون جميع الأعضاء من المتخصصين في علوم التربية، ولا بإنكار أهمية الفلسفة أو الهندسة أو الاقتصاد أو الفنون أو الرياضة أو التكنولوجيا وغيرها من الاختصاصات. بل تتعلق بسؤال أبسط وأكثر جوهرية: كيف يمكن لمؤسسة أن تتولى التفكير في إصلاح المنظومة التربوية ومستقبل المدرسة، من دون حضور واضح ومباشر للمعرفة العلمية المتخصصة في التربية؟ان علوم التربية ليست اختصاصاً قطاعياً ضيقاً يمكن الاستغناء عنه بسهولة ثم الاستعانة به عند الحاجة. فهي حقل معرفي واسع يتقاطع داخله علم اجتماع التربية، وعلم نفس التربية، وعلم نفس الطفل والمراهق، والبيداغوجيا، وعلوم التقييم، والتخطيط التربوي، وهندسة التكوين، وفلسفة التربية والسياسات التربوية وغيرها من المجالات التي تشكل، مجتمعة، أدوات أساسية لفهم المدرسة وإصلاحها.والمسألة هنا ليست في قيمة الأشخاص الذين تم تعيينهم، ولا في التشكيك في كفاءاتهم. وإنما تتعلق بمعايير بناء التركيبة نفسها وبطبيعة المعرفة التي اعتُبرت ضرورية لعضوية مؤسسة يفترض أن يكون مستقبل التربية والتعليم في قلب اختصاصها.
اللجان والخبراء لا يعوّضون بالضرورة العضوية:قد يقال إن غياب اختصاص معين عن تركيبة المجلس لا يعني غياب الخبرة المتخصصة، باعتبار أن المجلس يستطيع الاستعانة بالخبراء وتشكيل اللجان المختصة وتنظيم جلسات الاستماع والاستشارة.وهذا صحيح من حيث المبدأ، لكنه لا ينهي النقاش.فاللجنة جزء من آليات عمل المؤسسة، بينما تمنح العضوية صاحبها حضوراً دائماً في النقاش وفي صياغة المواقف وفي تقدير الخيارات وفي صناعة الرأي داخل المجلس. وهناك فرق بين أن تكون المعرفة التربوية جزءاً أصيلاً من التركيبة، وبين أن يتم استدعاؤها لاحقاً لتقديم رأي أو إنجاز دراسة أو المشاركة في لجنة.بل إن الاستناد إلى إمكانية الاستعانة بالخبراء يطرح سؤالاً آخر: إذا كانت الخبرة في علوم التربية ضرورية إلى درجة أن المجلس سيحتاج إليها باستمرار في أداء مهامه، فلماذا لا تكون هذه الخبرة حاضرة بوضوح في تركيبته منذ البداية؟لذلك لا يتعلق الأمر بإقصاء اختصاصات أخرى، وإنما بالتساؤل عن التوازن بين الاختصاصات ومدى ارتباطها الفعلي بالوظيفة الأساسية للمؤسسة.
الإصلاح التربوي ليس مجرد قرار سياسي:تزداد أهمية هذا النقاش لأن إصلاح التعليم لا يبدأ وينتهي عند إصدار القوانين أو الإعلان عن الخيارات الكبرى..فأي إصلاح حقيقي يحتاج إلى تحويل الأفكار إلى مناهج وبرامج وطرائق تعليم وتقييم وتوجيه وتكوين، ثمقياس أثرها على التلميذ والمدرس والمؤسسة التعليمية والمجتمع.كيف نعيد بناء الزمن المدرسي؟ كيف نطور المناهج؟ كيف نغير طرق التقييم؟ كيف نعيد النظر في التوجيه؟ كيف نطور تكوين المدرسين؟ كيف نتعامل مع الفوارق الاجتماعية والنفسية والمعرفية بين المتعلمين؟ وكيف نبني مدرسة تستجيب لتحولات المجتمع وسوق العمل والمعرفة؟هذه ليست مجرد أسئلة إدارية أو سياسية. إنها، في جوهرها، أسئلة تربوية.ومن هنا فإن الإرادة السياسية ضرورية للإصلاح، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج إصلاح ناجح. فالقرار السياسي يحدد الاتجاه، بينما تحتاج عملية الإصلاح إلى معرفة علمية قادرة على فهم الواقع، وتصميم البدائل، واختبارها، وتقييم نتائجها وتصحيح مسارها.
التكنولوجيا لا تعوّض الرؤية التربوية:ويظهر هذا الإشكال بصورة أوضح عندما يتعلق الأمر بالتحولات التكنولوجية.فالحديث عن الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية والأتمتة وتكنولوجيا المعلومات قد يبدو دليلاً على مواكبة المستقبل، لكنه لا يكفي وحده لبناء مدرسة المستقبل.السؤال الحقيقي ليس فقط: من يعرف التكنولوجيا؟ وإنما: كيف نُدخل التكنولوجيا إلى المدرسة؟ كيف ستغير طرق التعلم والتدريس والتقييم؟ كيف ستؤثر في علاقة المدرس بالتلميذ؟ وما أثرها على الطفل والمراهق؟ وما المهارات التي ينبغي أن تنتجها المدرسة في المستقبل؟ وكيف نمنع التكنولوجيا من التحول إلى مجرد أدوات إضافية داخل مدرسة قديمة؟لذلك فإن خبير التكنولوجيا مهم، لكنه لا يستطيع وحده بناء الرؤية التربوية للتحول الرقمي.المدرسة المستقبلية تحتاج إلى تفاعل بين خبير التكنولوجيا وعالم التربية وعالم النفس والاجتماع والمتخصص في المناهج والتقييم والتخطيط.التكنولوجيا أداة، أما السؤال الحقيقي فهو ماذا نريد أن نفعل بها داخل المدرسة؟
المجلس مهم، لكن أهميته لا تحصنه من النقد:لا يعني هذا كله أننا نقلل من أهمية المجلس الأعلى للتربية والتعليم أو تركيبته، ولا الحكم مسبقاً على فشله.على العكس، فإن أهمية المؤسسة تجعل النقاش حول تركيبتها أكثر ضرورة. فإذا كان المجلس سيشارك في التفكير الاستراتيجي وتقييم السياسات وإبداء الرأي في مشاريع القوانين ورسم الخيارات الكبرى للمنظومة، فإن تركيبته تصبح في حد ذاتها مؤشراً على طبيعة المعرفة التي تريد الدولة أن تعتمد عليها في مشروعها الإصلاحي.كما أن نجاح المجلس لن يتوقف على تركيبته وحدها، بل سيظل مرتبطاً بوزارة التربية وبقية المؤسسات المعنية وبقدرة السلطة التنفيذية على تحويل التوصيات إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم.لذلك يمكن الترحيب باستكمال تركيبة المجلس وانتظار أعماله، وفي الوقت نفسه ممارسة النقد الضروري تجاه طريقة تشكيله. فالترحيب بالمجلس لا يعني تحصين تركيبته من النقد و لا يعني الحكم مسبقاً بفشله.
كيف نُدستِر هيئة استشارية ونتجاهل هيئة قضائية؟غير أن النقاش حول تركيبة المجلس لا ينبغي أن يحجب سؤالاً مؤسساتياً أكبر.فالمجلس الأعلى للتربية والتعليم هيئة استشارية، وظيفتها الأساسية تقديم الرأي والمقترحات. أما المحكمة الدستورية فهي هيئة قضائية مستقلة، ومن أهم وظائفها مراقبة دستورية القوانين وحماية علوية الدستور.وهنا يكمن فارق سياسي عميق: الأولى تقدم المشورة للسلطة، والثانية تملك في اختصاصها، آليات مراقبة السلطة.ومن هذه الزاوية تصبح المفارقة جديرة بالتوقف: كيف يجري استكمال مؤسسة استشارية وتفعيلها، بينما تظل المحكمة الدستورية، التي تمثل إحدى أهم ضمانات دولة القانون، غائبة؟لا تكمن المشكلة في إنشاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم، فهو مؤسسة مهمة ومبررة، وإنما في ترتيب الأولويات المؤسسية. فوجود مؤسسات تقدم الرأي لا يمكن أن يحجب خطورة غياب المؤسسات التي تراقب ممارسة السلطة ومدى احترامها للدستور.
الاستشارة توسّع المشاركة، أما الرقابة فتضع حدوداً للسلطة:تتصل هذه المفارقة أيضاً بتصور أوسع للحكم.فالتصور الشعبوي للسلطة يميل إلى تقديم الإرادة الشعبية المباشرة،كما يفهمها رأس السلطة، على بقية آليات الوساطة والرقابة. وتصبح الشرعية الانتخابية أو الشعبية مبرراً لمنح السلطة مجالاً واسعاً للتحرك، في حين يُنظر أحياناً إلى المؤسسات الوسيطة والرقابية باعتبارها عوائق أمام الإرادة السياسية.وفي هذا السياق، تبدو المؤسسات الاستشارية أقل صدامية في نظر السلطة من المؤسسات القضائية والرقابية. فالاستشارة يمكن أن توسع دائرة المشاركة وابداء الرأي، لكنها لا تفرض الزاما قانونيا على القرار السياسي. أما الرقابة الدستورية فتطرح سؤالاً أكثر حساسية: هل تخضع السلطة، بما فيها التشريعية والتنفيذية، للدستور، أم أن شرعيتها السياسية تمنحها مجالاً أوسع من القيود الدستورية؟وهنا يصبح غياب المحكمة الدستورية أكثر من مجرد تأخير في استكمال المؤسسات. إنه يطرح سؤالاً حول طبيعة الدولة التي يجري بناؤها: هل نحن بصدد بناء دولة توازن بين مؤسساتها، أم أمام نظام سياسي تتكاثر فيه المؤسسات التي تساعد السلطة على صياغة القرار وادارة الحكم بينما تظل المؤسسات القادرة على تقييد السلطة أضعف حضوراً أو غير موجودة ؟
السؤالان يلتقيان في نقطة واحدة: أي دولة نريد؟قد يبدو السؤال عن علوم التربية منفصلاً عن السؤال المتعلق بالمحكمة الدستورية، لكنهما يلتقيان في نقطة أساسية: نوع المؤسسات التي نريد بناءها، والمعايير التي نريد أن تحكم عملها.ففي الحالة الأولى، نطرح سؤالاً عن المعرفة التي ينبغي أن تكون حاضرة في مؤسسة مكلفة بالتفكير في مستقبل التربية.وفي الحالة الثانية، نطرح سؤالاً عن المؤسسات التي ينبغي أن تكون حاضرة لحماية الدستور والحد من السلطة.وفي الحالتين، لا يكفي وجود المؤسسة في حد ذاته فالمهم هوكيف تُبنى؟ومن يشارك فيها؟وما المعايير التي تحكم تشكيلها؟ما مقدار استقلاليتها؟وما الوظيفة التي يراد لها أن تؤديها داخل الدولة؟لذلك فإن استكمال المجلس الأعلى للتربية والتعليم ينبغي ألا يتحول إلى مناسبة للتصفيق لتركيبته، كما لا ينبغي أن يتحول نقد تركيبته إلى رفض للمؤسسة نفسها.المطلوب هو نقاش جدي حول معايير الاختيار، وحضور الاختصاص، وطبيعة الخبرة المطلوبة، وحدود الدور الاستشاري، بالتوازي مع طرح السؤال الأكبر حول استكمال منظومة الرقابة الدستورية .فكما أن الإصلاح التربوي لا يحتاج فقط إلى إرادة سياسية وكفاءات إدارية وتنوع في الاختصاصات؛ بل يحتاج إلى رؤية تربوية واضحة، ومعرفة علمية متخصصة، وقدرة على تحويل المعرفة إلى سياسات قابلة للتنفيذ والتقييم. فإن الدولة الدستورية بالمثل لا تحتاج فقط إلى مؤسسات تستشيرها السلطة وتساعدها على اتخاذ القرار، وإنما تحتاج أيضاً إلى مؤسسات قادرة على مراقبة السلطة وتذكيرها بأن الشرعية السياسية، مهما كانت مصادرها، لا تعفيها من الخضوع للدستور.وهنا يلتقي السؤالان في سؤال واحد أكثر عمقاً:هل نحن بصدد استكمال مؤسسات الدولة فقط، أم بصدد بناء مؤسسات تعكس تصوراً استشاريا معيناً للدولة والحكم؛ مؤسسات تتسع فيها الاستشارة، بينما تظل الرقابة القضائية على السلطة مؤجلة، ومؤسسات يُنظر فيها إلى الخبرة العلمية بوصفها عنصراً يمكن الاستعانة به عند الحاجة لا مكوّناً أصيلاً في صناعة القرار؟إذا كان الهدف فعلاً هو بناء دولة قادرة على إصلاح تعليمها، وحماية دستورها، وضمان جودة قراراتها، فإن المطلوب ليس فقط مؤسسات أكثر، وإنما مؤسسات أكثر توازناً، وأكثر تخصصاً، وأكثر استقلالاً، وأكثر قدرة على ممارسة الوظيفة التي أنشئت من أجلها ونظاما يوازن بين الاستشارة والرقابة الدستورية وتقييد السلطة.
ظهرت المقالة قراءة معمقة للنائب محمد علي بخصوص المجلس الأعلى للتربية و التعليم أولاً على أنباء تونس.
قراءة معمقة للنائب محمد علي بخصوص المجلس الأعلى للتربية و التعليم
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
أنباء تونس قراءة معمقة للنائب محمد علي بخصوص المجلس الأعلى للتربية و
كانت هذه تفاصيل قراءة معمقة للنائب محمد علي بخصوص المجلس الأعلى للتربية و التعليم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

