اخبار عربية لماذا يتحول مضيق هرمز إلى قضية وجودية بالنسبة لطهران؟

لماذا يتحول مضيق هرمز إلى قضية وجودية بالنسبة لطهران


اليكم الان لماذا يتحول مضيق هرمز إلى قضية وجودية بالنسبة لطهران؟ والان إلى التفاصيل من المصدر بتوقيت بيروت_ beiruttime

على مدى عقود، ناقش صناع السياسات والاستراتيجيون العسكريون في طهران ما إذا كان ينبغي أن يظل مضيق هرمز مجرد أداة للردع الاستراتيجي، أم أن يتحول إلى أداة فاعلة من أدوات إدارة الدولة لسياستها. وخلال الأزمات المتعاقبة، امتنعت إيران عموما عن استخدام هذه الورقة، رغم الخطاب السياسي المتكرر الذي كان يوحي بعكس ذلك. ومن منظور طهران، لا يمكن تبرير مثل هذا التحول إلا في ظل بيئة حرب استثنائية يُنظر إليها على أنها تهدد بقاء الدولة الإيرانية ذاته.

يستند المنطق الاستراتيجي الذي يبدو أنه يهيمن الآن على التفكير الإيراني إلى اعتبارات الأمن الوجودي أكثر من استناده إلى الحسابات الاقتصادية. فإذا خلص صناع القرار الإيرانيون إلى أن بلادهم دخلت حقبة مختلفة جذريا من المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فمن المرجح أن ينظروا إلى المضيق ليس باعتباره مجرد ممر مائي دولي، وإنما بوصفه إحدى الأدوات المتبقية القادرة على التأثير في ميزان القوى الإقليمي. وفي مثل هذه الظروف، لا يكون هدف طهران تعظيم الإيرادات أو النفوذ التجاري، وإنما الحفاظ على ورقة ضغط استراتيجية على أحد أهم الممرات البحرية الضيقة في العالم.

وهذا التمييز ضروري لفهم السلوك الإيراني. فالكثير من التحليلات الغربية تميل إلى تفسير سياسة طهران تجاه هرمز من خلال منظور الدبلوماسية القسرية أو أسواق النفط أو حرية الملاحة. لكن من منظور طهران، يتمثل الشاغل الرئيسي في الحفاظ على الردع. فقيمة المضيق لا تكمن في وظيفته التجارية، وإنما في قدرته على التأثير في حسابات الخصوم الذين يفكرون في ممارسة ضغط عسكري على إيران.

ومن المفارقات أن ورقة الضغط هذه نفسها معرضة للخطر، وهناك اتجاهان يمكن أن يؤديا تدريجيا إلى تقليص القيمة الاستراتيجية للمضيق.

يتمثل الخطر الأول في الإفراط في استخدام هذه الورقة. فإذا هددت إيران مرارا حركة الملاحة البحرية أو عطلتها، فسوف تسرع الأطراف الدولية حتما استثماراتها في طرق نقل بديلة، وخطوط أنابيب، وموانئ، وممرات لوجستية مصممة لتقليل الاعتماد على هرمز. وما يبدأ باعتباره أداة للردع يمكن أن ينتهي إلى تدمير قيمته الذاتية. وبمجرد نجاح أسواق الطاقة العالمية في تنويع مساراتها بعيدا عن المضيق، ستفقد إيران إحدى أهم أوراقها الجيوسياسية. ولذلك، فإن الحفاظ على مصداقية هرمز كورقة ضغط استراتيجية يتطلب ضبط النفس بقدر ما يتطلب إظهار الحزم.

أما الخطر الثاني، وربما الأكثر إلحاحا، فيتمثل في الجهود المتعمدة التي تبذلها أطراف إقليمية وخارجية لتجاوز المضيق تماما. فالمشروعات التي تقلل الاعتماد على هرمز ليست مجرد مشروعات تجارية أو لوجستية؛ وإنما تؤدي تدريجيا إلى تآكل إحدى المزايا الاستراتيجية الراسخة لإيران.

ويصبح هذا القلق أكثر وضوحا خلال فترات المواجهة المسلحة. ففي وقت السلم، تشكل قواعد القانون البحري الدولي والاتفاقيات المعمول بها والأعراف المقبولة المنظمة للمرور، التوقعات المتعلقة بسلوك الدول. أما زمن الحرب فيغير الحسابات الاستراتيجية. ومن منظور طهران، لم تعد الافتراضات التي تحكم الملاحة في وقت السلم كافية للتعامل مع التهديدات الأمنية الوجودية. ولذلك، من المرجح أن يقيم صناع القرار الإيرانيون التحركات البحرية ليس فقط وفقا للقواعد المعمول بها في وقت السلم، وإنما أيضا وفقا للقواعد المنظمة للنزاعات المسلحة التي تنطوي على مخاطر عسكرية ونوايا استراتيجية.

وفي ظل هذه الظروف، يصبح التمييز بين الحركة التجارية واللوجستيات العسكرية أكثر ضبابية. وقد تخلص طهران إلى أنه لا يمكن افتراض الحياد السياسي لخطوط الملاحة بصورة تلقائية، عندما تكون الممرات البحرية نفسها قد سهلت أيضا نقل معدات عسكرية، ومنظومات أسلحة، ومكونات طائرات، وأصول استخباراتية، أو دعما لوجستيا يصب في مصلحة الولايات المتحدة وقواعدها وشركائها الإقليميين المنخرطين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في مواجهة عسكرية مع إيران.

ولعل هذا التحول النفسي والقانوني هو الجانب الأقل تقديرا في الأزمة الحالية. فقبل اندلاع الأعمال العدائية واسعة النطاق، كانت إيران تتسامح عموما مع الملاحة عبر المضيق من دون تدخل، رغم أن العقوبات الأمريكية وتعاون شركاء الولايات المتحدة في الامتثال لتلك العقوبات، بل وحتى إنفاذها، قلصا بصورة حادة استفادة إيران، بوصفها الدولة الساحلية الرئيسية، من حرية الملاحة في المنطقة. لكن الحرب تغير التصورات الوطنية بصورة جوهرية. فمن وجهة نظر طهران، تمر الأسلحة والتقنيات والشبكات اللوجستية التي تهدد الأراضي الإيرانية لاحقا، في كثير من الأحيان، عبر الممرات البحرية نفسها. وبمجرد الاعتقاد بأن تلك الأسلحة قد أسهمت في هجمات على الأراضي الإيرانية أو بنيتها التحتية أو أفراد قواتها المسلحة أو المدنيين، يصبح من الصعب بصورة متزايدة على صناع السياسات الإيرانيين الفصل بين الملاحة والأمن القومي.

وتترك مثل هذه التجارب آثارا دائمة في الثقافة الاستراتيجية. فالدول الخارجة من صراع وجودي نادرا ما تعود فورا إلى افتراضاتها الأمنية السابقة. فالذاكرة الجماعية تعيد تشكيل العقيدة، وتترسخ التصورات العامة بشأن مواطن الضعف داخل التخطيط العسكري. كما تعزز ردود فعل المدنيين خلال فترات الأزمات، بما في ذلك الجهود العفوية لحماية البنية التحتية الحيوية والمنشآت الاستراتيجية، التصور القائل إن بقاء الدولة يتطلب قدرا أكبر بكثير من اليقظة مقارنة بما كان عليه الوضع سابقا. وفي هذه البيئة، لا يعكس تصميم طهران على فرض رقابة أكثر صرامة على المضيق حسابات عسكرية فحسب، وإنما يعكس أيضا قناعة مجتمعية أوسع بضرورة اعتراض التهديدات المستقبلية في أبكر مرحلة ممكنة.

وهذا يساعد في تفسير الاختلاف الجوهري بين أهداف إيران والتفسيرات التي تصور المضيق في المقام الأول باعتباره مصدرا للإكراه الاقتصادي. فطهران لا تسعى أساسا إلى تحصيل رسوم مرور أو عوائد تجارية أو مكاسب مالية قصيرة الأجل. بل إن الإفراط في تحويل المضيق إلى أداة تجارية يمكن أن يقوض القيمة الاستراتيجية ذاتها التي تسعى إيران إلى الحفاظ عليها. فالهدف الأهم هو الردع: ضمان عدم تمكن أي خصم من استغلال البيئة البحرية للإعداد لضغط عسكري على إيران، أو تسهيله، أو استدامته.

وتزيد التطورات الأخيرة هذه الصورة تعقيدا. فإذا افترضنا أن الإطار الدبلوماسي لما بعد الحرب، الذي تجسد في مذكرة تفاهم إسلام آباد، قد بدأ في التفكك عقب تبادل الضربات العسكرية مرارا والقرارات السياسية اللاحقة في واشنطن، فإن كلا من طهران وواشنطن تبدوان أقل تمسكا بالحفاظ على جميع عناصر الترتيب الأصلي. فمن المنظور الإيراني، ربما تكون الاتفاقية قد وعدت بما يفوق قدرة الحقائق الجيوسياسية على الاستمرار في تحمله. ومن المنظور الأمريكي، أدت الأولويات السياسية المتغيرة وتدهور الثقة بالمثل إلى تراجع الحماسة للحفاظ على الالتزامات السابقة.

ومع ذلك، لا يبدو أن أيا من الطرفين متحمس لخوض حرب شاملة أخرى. فإيران والولايات المتحدة تظهران في الوقت نفسه استعدادا عسكريا، بينما تحاولان الحفاظ على توازن هش. وأصبحت عمليات تبادل إطلاق النار المحدودة، والإشارات المحسوبة، والتصعيد المدار بعناية، آليات لإظهار الحزم من دون تجاوز عتبة الانزلاق إلى صراع غير مقيد. غير أن مثل هذا التوازن غير مستقر بطبيعته. فكل جولة من الإشارات العسكرية تحمل في طياتها احتمال سوء التقدير. ويمكن لحادث تكتيكي منفرد، أو سوء فهم للنوايا، أو تصعيد خارج عن السيطرة، أن يتجاوز بسرعة الرغبة السياسية في ضبط النفس.

وتحتل إسرائيل موقعا محوريا في ديناميكيات التصعيد هذه ضمن السردية الاستراتيجية لطهران. فكثيرا ما يجادل صناع السياسات الإيرانيون بأن الإجراءات الإسرائيلية عطلت مرارا فرص خفض التصعيد والدبلوماسية، وشجعت على مواجهة إقليمية أوسع بين إيران والولايات المتحدة. ومن هذا المنظور، يخدم تجدد الصراع المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية عبر تفاقم العداء بين واشنطن وطهران، مع إضعاف فرص إقامة بنية أمنية إقليمية مستقرة. ويظل ذلك عنصرا مهما في تفسير إيران للتطورات الإقليمية الأخيرة، ومن ثم يؤثر في خياراتها السياسية.

وإذا ظل الاستقرار الدائم هو الهدف، فلن يكون الردع أو الدبلوماسية كافيا بمفرده. بل يجب أن يعزز كل منهما الآخر. وينبغي أن تكون الأولوية المباشرة منع الحوادث من التصاعد إلى مواجهة عسكرية غير منضبطة، بالتوازي مع تسريع الانخراط الدبلوماسي المباشر بين طهران وواشنطن. والحفاظ على الحوار خلال فترات التوتر أصعب بكثير من بدء الحوار في أوقات الهدوء، إلا أن التواصل يصبح ضرورة استراتيجية على وجه التحديد في أوقات الأزمات.

ومن شأن المفاوضات أيضا أن تستفيد من إطار مؤسسي أكثر تنظيما. فبدلا من محاولة حل جميع الخلافات في وقت واحد، ينبغي تنظيم القضايا العالقة ضمن ثلاث فئات منفصلة. تشمل الأولى الاتفاقات التي تم التوصل إليها بالفعل ولا تتطلب سوى التنفيذ الأمين. أما الثانية فتتكون من الخلافات الفنية التي تصلح لمفاوضات مستمرة على مستوى الخبراء، ومعزولة عن المواجهة السياسية. في حين ينبغي أن تضم الثالثة القضايا الأكثر حساسية من الناحية السياسية، حيث سيكون التقدم بالضرورة تدريجيا ومشروطا بإظهار حسن النية بصورة متبادلة واتخاذ إجراءات لبناء الثقة.

وأخيرا، فإن أي بنية دبلوماسية مستقبلية سوف تتطلب آلية موثوقة لتقييم مدى الامتثال. ويمكن لمجموعة من الوسطاء المقبولين من الطرفين أن تتجاوز الدور التقليدي للميسر، لتعمل بدلا من ذلك كهيئة تحكيم مستقلة قادرة على تقييم الانتهاكات المزعومة، ومراقبة التنفيذ، وتقديم تقييمات محايدة للسلوك محل الخلاف. ولن تقضي مثل هذه المؤسسة على التنافس الاستراتيجي، لكنها قد تقلل بصورة كبيرة مخاطر سوء الإدراك، والاتهامات المتبادلة، والتصعيد غير المقصود.

وفي نهاية المطاف، سيتحدد مستقبل مضيق هرمز بالتصورات الاستراتيجية أكثر مما سيتحدد بالحجج القانونية. وما دامت طهران تنظر إلى المضيق من منظور الأمن الوجودي، وليس الملاحة التجارية، فسوف تعكس سياساتها منطقا يختلف جذريا عن المنطق الذي يفترضه كثير من المراقبين الخارجيين. ومن دون فهم هذا المنطق، فمن غير المرجح أن تنجح الجهود الرامية إلى الحفاظ على الاستقرار في واحد من أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير

المصدر الأصلي:

eurasiaar.org

تاريخ النشر لدى المصدر:

2026-08-18 02:32:00

كاتب المصدر:

ساسان كريمي

نُقل هذا المحتوى آلياً من المصدر المشار إليه أعلاه، وتبقى حقوق المحتوى والمعلومات

للمصدر الأصلي. قد يخضع النص لمعالجة أو ترجمة آلية قبل النشر.

لماذا يتحول مضيق هرمز إلى قضية وجودية بالنسبة لطهران



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


بتوقيت بيروت_ beiruttime لماذا يتحول مضيق هرمز إلى قضية وجودية بالنسبة لطهران

كانت هذه تفاصيل لماذا يتحول مضيق هرمز إلى قضية وجودية بالنسبة لطهران؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على بتوقيت بيروت_ beiruttime و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم