اخبار عربية بين حق المطلب وخطيئة الوسيلة

بين حق المطلب وخطيئة الوسيلة


اليكم الان بين حق المطلب وخطيئة الوسيلة والان إلى التفاصيل من المصدر الاول _ من قلب الحدث

في الليالي الأخيرة، وتحديداً مع ساعات ما بعد منتصف الليل، استيقظت مدينة كريتر بمحافظة عدن على وقع إغلاق الطرقات، ورشق الحجارة، وألسنة النار التي تلتهم الإطارات. شباب أطلقوا على تحركهم اسم "ثورة الفرشان". ثم ما إن يبزغ الصباح حتى يصدر بيان يصف كل ذلك بأنه "ثورة سلمية".

والأخطر من ذلك، أن هذا المشهد الليلي المفتوح بات بيئة خصبة لاستغلال الغضب الشعبي وتحويله إلى أعمال تخريبية وفوضى لا تخدم إلا أعداء المدينة. فوسط الزحام والظلام، يختلط الحابل بالنابل، وتتسع الفرصة أمام من يريدون حرف البوصلة من مطلب خدمي مشروع إلى تخريب ممتلكات عامة وخاصة، وخلق حالة من الانفلات الأمني تزيد معاناة الناس بدلاً من تخفيفها.

هنا يتوقف العقل، وتطرح علامات الاستفهام. كيف تكون سلمية وهي تبدأ بمصادرة حق أصيل من حقوق الإنسان: حق التنقل؟ وأي حضارة في أن يُغلق شارع عام في مدينة مكتظة بالتاريخ والسكان مثل كريتر، فيُمنع مريض من الوصول إلى المستشفى، وأسرة من العودة إلى بيتها بعد عناء يوم، وعامل بسيط من اللحاق برزقه؟

من المؤلم حقاً أن يتحول التعبير عن المطلب إلى وجع إضافي يُلقى على كاهل المواطن المنهك أصلاً. هل يدرك القائمون على هذه التحركات حجم الضرر الذي يلحقونه بأهلهم؟ نحن نتحدث عن عدن في ذروة صيفها القاتل. عن انقطاع للكهرباء يمتد لساعات، وعن ماء يغيب لأيام. في هذا المناخ، يصبح إغلاق طريق واحد ليس مجرد عرقلة، بل جريمة في حق إنسان يبحث عن جرعة أكسجين، أو عن دواء لمريض سكري، أو عن سيارة إسعاف تخترق الزحام لتنقذ روحاً. الغضب مفهوم والوجع مشروع، لكن تحويل الشارع إلى ساحة مواجهة مع المواطن نفسه هو انحراف بالبوصلة.

ويفرض السؤال نفسه بإلحاح: لماذا الليل؟ لماذا "الخروج كخفافيش الظلام"؟ إن كانت القضية قضية شعب، وإن كان الهدف هو إيصال صوت المعاناة إلى أعلى المستويات، فلماذا لا يكون ذلك في وضح النهار؟ لماذا لا نرى وقفات احتجاجية منظمة تحت ضوء الشمس، بيافطات واضحة، وشعارات حضارية، وكلمات مسؤولة تلفت أنظار الرأي العام المحلي والدولي والإعلام إلى حجم الكارثة الخدمية التي نعيشها؟ الاحتجاج النهاري يكشف الوجه الحقيقي للمظلومية. أما الاحتجاج الليلي المغلق بالطرقات فيعطي صورة مشوهة، ويفتح الباب أمام من يريد أن يصوّر الناس على أنهم فوضويون.

ولا أحد يستطيع المزايدة على حجم المظالم. نحن نعيش تداعيات حرب مستمرة منذ أكثر من 11 عاماً. رواتب متأخرة لشهور، وخدمات منهارة، وعملة وطنية تنهار يومياً، وأسعار تحرق جيوب "الغلابة". هذا الواقع ليس حكراً على كريتر. هو في كل مديريات عدن، وفي المحافظات المحررة، وفي عموم الجمهورية. ومن حق أي مواطن أن يطالب بالعيش الكريم، وبأبسط الإمكانيات، مراعاة للظرف الاستثنائي الذي يمر به الوطن. لكن المؤسف أن هناك فئات سياسية ومجتمعية متنفذة تعيش "في العلالي". بعيدة تماماً عن هذا الجحيم. لا تعرف انقطاع الكهرباء ولا طوابير الماء ولا سعر دبة الغاز. وهذه الفئات هي أول من يركب الموجة، وأول من يتاجر بدماء ومعاناة الناس. وهذا وضع غير طبيعي ويجب أن يُفضح ويُعرى أمام الجميع.

ومع كل ما سبق، اسمح لي يا ثائر، يا مناضل، يا صاحب القضية: غضبك على الفاسد لا يبرر أن تصادر حريتي. ليس من حقك أن تمنعني من التحرك في مدينتي كيفما أشاء وفي أي وقت أريد. فالاحتجاج وسيلة مشروعة لانتزاع الحق، لكنه يصبح وسيلة ظالمة عندما يصنع ضحايا جدد من أبناء جلدتك.

هنا تتضاعف مسؤولية قيادة السلطة المحلية في المحافظة. أمامها واجبان لا يحتملان التأجيل: الأول هو حماية حقوق المواطن في الأمن والتنقل والحركة من أي طرف كان، فسيادة القانون يجب أن تكون فوق الجميع. والثاني هو بذل أقصى الجهود لتخفيف المعاناة وتوفير الحد الأدنى من الخدمات، خاصة في ظل هذا الصيف القاتل الذي تشهده عدن وكريتر على وجه الخصوص، وتتزايد فيه أعداد الوفيات والإغماءات يوماً بعد آخر.

ونحن كمجتمع، أحوج ما نكون اليوم إلى وعي. وعي يجعلنا نخدم بعضنا بعضاً بدل أن نزيد الطين بلة. وأحوج ما نكون إلى دولة وحكومة تتحمل مسؤولياتها كاملة تجاه مدينة عريقة مثل عدن، مدينة قدمت قوافل من الشهداء والتضحيات في حروب متتالية لا ناقة لها فيها ولا جمل منذ ما بعد الاحتلال البريطاني.

المطلب عادل. والوجع حقيقي. لكن الطريق خاطئ. السلمية لا تُبنى بإغلاق الطرق ليلاً. السلمية تُبنى بصوت مسموع في النهار، يحترم حق الجميع في الحياة والكرامة والحركة. فأي ثورة نريد؟ ثورة تنتصر للناس وتخفف عنهم؟ أم ثورة تزيد من معاناتهم وتضيق عليهم ما تبقى من فسحة حياة؟

وخاتمة القول: إن إغلاق الطرقات العامة ومنع الناس من حقهم في الحركة فعلٌ محرّم شرعاً ومجرّم قانوناً، فالطريق حقٌ عام لا يجوز التعدي عليه، والتعبير عن المطلب لا يكون بمصادرة حقوق الآخرين.

بين حق المطلب وخطيئة الوسيلة



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


الاول _ من قلب الحدث بين حق المطلب وخطيئة الوسيلة

كانت هذه تفاصيل بين حق المطلب وخطيئة الوسيلة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم