اليكم الان غصة نائب.. مائة وعشرون طلقة والان إلى التفاصيل من المصدر موقع يمنات الأخباري
yemenat
يمنات
من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة.
السلسلة الثامنة
غصة نائب
(6)
مائة وعشرون طلقة
أحمد سيف حاشد
اقتادوني يساراً ويميناً.. ثم يميناً ويساراً، حتى سلّموني إلى رجل كان في انتظاري؛ بدا لي أنه ضابط أرفع رتبة.. كان يرتدي قميصاً وبنطالاً مدنياً، لكن تحت ثيابه المدنية كان يتخفّى فحيح الأفاعي وسم حقود.. ملامحه حادة، ووجهه المستطيل لا يخلو من تكشيرة كلب بوليسي.. أحسستُ أنه لا يريد اتهامي فحسب، بل كان ينتظر ليلتهمني دفعة واحدة.
كان واضحاً عليه أنه صبره يكاد ينفد.. رأيتُ السؤال يقفز من عينيه: من هذا الذي يجرؤ على التصوير، ثم يرفض تسليم الكاميرا لجهازٍ يخافه الناس ويهابونه؟!
كانت عيناه تقدحان شرراً، وتتوعدانني بشرٍّ مستطير.. بدا لي من أول وهلة أن هذا الضابط سيئ الصفات والطباع، غليظ القلب والمعاملة.. سار أمامي وطلب منّي أن أتبعه، فمشيت خلفه كنسمة هادئة، فيما كان هو أمامي ينفخ غلاً كالكير.
قادني إلى محبسٍ في غرفة صغيرة.. وصلتُ، فإذا بمجموعة هناك تنتظرني كفريسة؛ ضباعٌ جائعة تترقب وليمتها، لكن عليها أن تنتظر الأوامر.. خامرني إحساس بأنني أمام حقيقة أكثر انكشافاً: أمنٌ لا يعرف للإنسان قيمةً ولا حرمة.
***
أدخلوني الغرفة، وبينما كنتُ أنتظر كرسياً أجلس عليه، مراعاةً لصفتي النيابية، أتوا بحارسٍ في مستهلّ العشرينيات من عمره، يحمل سلاحاً آلياً وجعبةَ ذخيرة، ومعه كرسيٌّ أجلسوه عليه!
أدركتُ عندها أنني في موقعٍ مقلوب، تنقلب فيه المفاهيم والموازين، على نحوٍ يكشف أن الشعب هو آخر ما يحضر في قواميسهم، إن كان للشعب عندهم مكانٌ أو اعتبار.
أنا النائب الواقف، والمحروس بجنديٍّ قاعدٍ مطمئن، مدجّج بالسلاح والذخيرة؛ مائةٌ وعشرون طلقة، خطٌّ ناريٌّ مكتمل.. مشهدٌ لم تكن غايته إلا إرهابي وإهانتي وتهديدي بالعواقب. وإلا، ما مبرّر كل هذا، وقد صرتُ أعزل حتى من القلم، في قبضةٍ من حديد تزدري الدستور، وتسخر من كل شيءٍ اسمه حقوق أو قوانين؟!
كانت الغرفة التي احتُجزتُ فيها خاليةً إلا من طاولةٍ منهكة؛ بدت لي كأنها هي الأخرى قيد الاحتجاز.. لم يكن لي فيها أنيسٌ سواها؛ أحسستُ بأنها تشاطرني ما أنا فيه، وتمدّ لي يداً لا يراها إلا من عرف الوحدة، لتخفّف عنّي بعض ما أعانيه. فالأشياء، في وحدتك، تكتسب حضوراً وقيمةً ومعنىً آخر؛ كأنها تصبح، في غياب البشر، أقربَ إلى رفقة حقيقية.
***
في تلك الغرفة الشاحبة الكئيبة، كنتُ أفكّر وأسرح، أتساءل وأتذكّر.. أُحدّث نفسي قائلاً:
لقد صرتُ قريباً من أمكنة لا شكّ في أن أحداثاً مفزعة ومروّعة وقعت فيها.. لم يعد يفصلني عنها سوى مئات الأمتار؛ بل لعلّ بعضها صار على مرمى حجر، وربما بعضها تحتي الآن بأمتار قليلة: أقبية مرعبة تحت الأرض، ودهاليز موحشة، وزنازين تشبه القبور في ضيقها، وغرف تحقيق وتعذيب وقعت فيها أحداث بشعة ومروعة.
مرّ كثيرون من هنا.. خرج بعضهم أفذاذاً، وقد اشتدّ عودهم، فلم تنل من إرادتهم هزيمةٌ ولا انكسار. وعبر بعضهم إلى الموت بإرادةٍ أصلب من إرادة السجّان، بعد تعذيبٍ يشبه الجحيم. وجُنَّ بعضهم تحت وطأة تعذيبٍ مهول، فيما أُصيب آخرون بتصدّعاتٍ نفسية عميقة، أو أُلحقت بهم عاهاتٌ جسدية لازمتهم ما بقي لهم من عمر، في حياةٍ ناقصةٍ وبائسة.
حاولت أن أشدّ حيلي وتذكّرتُ ما سمعتُه يوماً: إنّ الأيام الأولى في السجن هي الأصعب، ثم يعتاد المرء السجن، ويتعايش معه، ويتغلّب على معاناته القاسية.. من يدري؟! لعلّك تخرج منه بطلاً، أو شهيداً، أو ذكرى اعتزازٍ لشعبٍ سيأتي، أو لعنةً تاريخيةً أبديةً تظلّ تطارد الحكّام، وتحاكم طغيانهم إلى الأبد.
بدت لي تلك الغرفة مملّة.. فضاؤها كئيب، وجدرانها عابسة.. وعلى قِصر الوقت، وجدته يطول، والانتظار يتمطّى ويتمدد.. أحسستُ أن الزمن فيها قد توقّف، أو أخذ يزحف ببطء السلحفاة. بل خُيّل إليّ أحياناً أن الزمن قد عكس وجهته، وأخذ يتراجع إلى الوراء، بدلاً من أن يمضي إلى الأمام.
هنا تذكّرتُ ابن قريتنا، الشاب جمال علي عبد الملك.. اعتُقل لسنوات، وعُذّب فيها تعذيباً مروّعاً؛ صُعق بالكهرباء، وغُطّس في الماء، ومورِس بحقه الخصي الجسدي، حتى بلغ العذاب منه غايته، واشتدّت وطأته.. قطعوا راتبه ولم يُطلَق سراحه من المعتقل إلا وقد أُصيب باضطرابٍ نفسي عميق.. خرج كومةً من حطام تمشي على قدمين. ثم مات، بعد مدة لم تطل، في ملابساتٍ يكتنفها الغموض.
***
نائبٌ انحاز للحقوق، وشارك في الاعتصام والاحتجاج، ثم وقف كتمثالٍ مكسور، وحيداً في الغرفة، بعيداً عن رفقته كما هو الحال الذي أعيشه اليوم؛ وحارسٌ يجلس مسنوداً إلى كرسيه، ينتظر توجيه ضابطه، الذي ينتظر أوامر مديره بشهيةٍ سادية؛ وجمال علي عبدالملك، الضحية في السجن وخارجه، ينام، فيأتي الصباح وقد تسلّلت روحه بخفةٍ وغموض.. رحل خلسة وبصمتٍ لم تسمعه حتى وسادته. هكذا تنقلب الموازين حين تصير السلطة هي المعيار، والكرامة هي الثمن.
اليوم ما أكثر المعتقلات والسجون، وما أكثر البشاعة والضحايا.. حربٌ وغنائم، وشعبٌ يُطحن كلَّ يومٍ جوعاً وجهلاً ومرضاً، وسلطاتُ أمرٍ واقعٍ تتقاسم الوطن كغنيمة، حتى باتت أقبح من القبح كله.
ولم يبقَ للنائب الواقف، “المنفي” من بلده، إلا «التوبة» في قاموس السلطة، أو الاتصال بالرقم 176. ممنوع من صنعاء أن يعود إلى عدن وممنوع من عدن أن يعود إلى صنعاء، لكنه آثر، رغم المرض، أن يسهم في صناعة الوعي فيما تبقّى من عمرٍ لن يطول في منفاه، وأن يشهد ويؤرّخ لانقلاب الموازين وانفلاتها المريع؛ على أمل جيلٍ يأتي، يعيد للموازين اعتدالها، وللتاريخ اعتباره.
***
يتبع الحلقة السابعة
– من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة
yemenat
غصة نائب مائة وعشرون طلقة
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
موقع يمنات الأخباري غصة نائب مائة وعشرون طلقة
كانت هذه تفاصيل غصة نائب.. مائة وعشرون طلقة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على موقع يمنات الأخباري و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

