اخبار عربية المرَشَّحُ العابر للدوائر

المر ش ح العابر للدوائر


اليكم الان المرَشَّحُ العابر للدوائر والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس

مُرشَّح من أزرو يشدّ الرِّحالَ إلى صفرو ليكتشفَ فجأة أن مستقبله السياسي يسكنُ هناك، وآخرُ بَركاني يختارُ أكادير منصّة أولى لإعلان حضُوره، وثالثٌ يبحثُ عن دائرة انتخابية كما يبحث المسافر عن فندق شاغر في موسم الاصطياف، ورابعٌ يتنقل بين القبائل والجماعات حاملا ابتسامة عريضة، وهاتفا ذكيا، وفريقا يُتقن التقاط الصّور أكثر مما يُتقن صياغة الأفكار.

هكذا تبدأ الملامح الأولى لموسم انتخابي لم يعلن أحد موعد انطلاقه رسميّا، غير أن بعض المرشّحين قرروا أن يسبقوا الزمن نفسه، وأن يدخلوا سباقا لم ترسم خطوطه بعد، وأن يطالبوا الجمهور بالتصفيق قبل أن يعرف هذا الجمهور ما الذي يستحق التصفيق أصلا. تبدو الساحة في بعض جوانبها كأنها دخلت مرحلة سياسية جديدة يمكن أن نسميها “الهجرة الانتخابية الموسمية”.

لم تعد بعض الترشيحات تنطلق من علاقة راسخة بالمجال، أو معرفة دقيقة بقضاياه، أو انخراط طويل في نسيجه الاجتماعي والاقتصادي والثقافي؛ صار يكفي أحيانا أن تمتلك إشارات مُطمئنة من هنا وهناك، حتى يتحوّل المكان إلى مُجرد دائرة قابلة للاستثمار السياسي. يصبح السّؤال عندها أقل ارتباطا بما الذي يستطيع المرشح أن يقدمه لصفرو أو أكادير أو بركان أو أزرو، وأكثر ارتباطا بالمكان الذي يمنحه أفضل احتمال للفوز.

مُرشحون بدونِ بوصلة… وحملات من غير وِجهة

هنا تبدأ المفارقة: المرشح الذي يفترض أن يمثل المجال يبحث أولا عن المجال الذي يمكن أن يمثله هو. والأكثر إثارة للسخرية أن الحملة، وهي سابقة لأوانها، تبدو أحيانا متأخرة جدا من حيث الفِكْر. يتحرّك المرشحون بكثافة، يزورون الأعراس والجنازات والأسواق والمواسم والجمعيات، يجلسون في المقاهي، يصافحون الناس، يوزعون الابتسامات، يلتقطون الصور أمام الأبواب وفي الحقول وبين الأطفال والشيوخ، ثم ننتظر العبارة التي تُفسر كل هذا النشاط فلا تأتي.

نسأل عن البرنامج فنحصل على كلام عن “خدمة المواطن”. نسأل عن الأولويّات فنسمع عن “التنمية”. نسأل عن أدوات التّنفيذ فتخرج من القاموس كلمات جاهزة: الحكامة، القرب، الإنصات، الاستثمار، الشباب، المرأة، العالم القروي، العدالة المجالية. كلماتٌ صحيحة في ذاتها، غير أن كثرة تداولها من دُون مضمون حولتها إلى عملة سياسية فقدت جزءا كبيرا من قيمتها.

كأن بعض الحملات تعتقد أن الناخب يحتاج إلى رؤية وجه المرشح أكثر مما يحتاج إلى فهم عقله. صور في كل مكان، مقاطع قصيرة، زيارات متتابعة، تعليقات تمجد “التواصل المباشر مع الساكنة”، ثم لا يجد المتابع وثيقة واحدة تقول له بوضوح: ما المشكلة التي شخّصها هذا المرشح؟ ما الأرقام التي اعتمد عليها؟ ما الذي يستطيع تغييره ضمن الصّلاحيات التي سيحصل عليها إذا فاز؟ ما الكلفة؟ ما مصادر التّمويل؟ ما المدة؟ ما الأولويات؟ ما الذي سيفعله في السنة الأولى؟ ما الذي سيتركه جانبا لأنه أقل استعجالا؟ السياسة التي تخشى الأرقام سرعان ما تتحول إلى خَطابة، والحملة التي تخشى التفاصيل تعرف في الغالب أن التفاصيل قد تفضح هشاشة خطابها. ليست الحملة الانتخابية، في جوهرها، جولة علاقات عامة ولا مسابقة في عدد المصافحات.

ليست موسما لعرض القدرة على الحشد ولا تمرينا في صناعة الشّعبية السريعة. الحملة لحظة سياسية يتقدم فيها شخص أو حزب أمام مجتمع محلي أو وطني ويقول له بوضوح: هذه قراءتي لواقعكم، وهذه المشكلات التي أعتبرها أولوية، وهذه الحلول التي أقترحها، وهذه الوسائل التي سأستخدمها، وهذا هو الأجَلُ الذي ألتزم به. تقومُ فلسفة الحملة على تحويل الطموح إلى تعاقد، وتحويل التعاقد إلى التزام قابل للقياس، وتحويل الناخب من متفرج على المرشح إلى طرف يملك حق السؤال والمقارنة والرفض. كما أن البرنامج الانتخابي ليس كُتيِّبا مزخرفا يخرجه المرشح في الأسبوع الأخير ثم يضعه على طاولة المقر الانتخابي.

البرنامج يبدأ من تشخيص صادق. إذا ترشح شخص في هذه المدينة أو تلك وفي هذه القرية أو الدوار أو تلك، فعليه أن يعرفَ أكثر مما يعرف مواقع التصوير فيها. عليه أن يفهم اقتصادَها، فِلاَحتها، بِطالتها، بنيتها التّحتية، مشاكل النّقل، وضع الشّباب، حاجات القُرى التابعة لمحيطها، قدرة الجماعات على التمويل، والمشاريع المتعثرة.

وإذا افتتح بركاني حملته من أكادير، فمن حق أهل أكادير أن يسألوه: ماذا تعرف عنا خارج ما قرأه فريقك في ورقة تحضيرية؟ أيّ علاقة نسجتها مع المدينة قبل أن تحتاج إلى أصواتها؟ ماذا ستفعل تحديدا في ملفّات النقل والسكن والاقتصاد المحلي والسياحة والماء والتهيئة؟ لا تكفي محبة المدينة لإدارتها، تماما كما لا تكفي صورة أمام البحر أو في فيلا أنيقة لصناعة رؤية حضرية.

مُرشح يبحث عن دائرة… ودائرة تبحث عن مشروع

كيف يُبلِّغُ المرشح فحوى برنامجه؟ يبدأ أوّلا بأن يفهمَهُ هو نفسُه. هذه نقطة تبدو بديهية، غير أنها ليست كذلك دائما. بعض المرشحين يحملون برامج كتبها لهم مستشارون ثم يتعاملون معها كما يتعامل طالب مع ملخص لمادة لم يقرأها.

المرشح الحقيقي يستطيع شرح مشروعه في عشر دقائق لعالم اقتصاد، وفي خمس دقائق لتاجر في السوق، وفي دقيقتين لطالب جامعي، وفي جملة واحدة لمواطن يسأله في الشارع: ماذا ستغير فعليا إذا انتخبناك؟ القدرة على تبسيط الفكرة من دون تفريغها من مضمونها دليل على فهمها، أما الاختباء وراء العبارات الفضفاضة فيكشف غالبا عن فراغ الفكرة نفسها. المشكلة ليست في أن يبدأ السياسي التواصل مبكرا؛ السياسة في الأصل عمل مستمر، ومن الأفضل أن يبقى المنتخب أو المرشح قريبا من المجتمع طوال السنوات، لا أن يظهر فجأة عندما تقترب صناديق الاقتراع.

المشكلة تبدأ حين يتحول الاستباق إلى حملة بلا مشروع، وإلى سباق على المواقع قبل سباق الأفكار، وإلى حضور مكثف هدفه صناعة الانطباع بأن شخصا ما “قادمٌ بقوة” من دون أن يعرف أحد إلى أين يريد أن يذهب بهذه القوة. نحن أمام مفارقة تستحق التأمل: بعض المرشحين يريدون أن يعرف المواطن أسماءهم قبل أن يعرف المواطن أفكارهم.

السياسة السليمة تعكس المعادلة. يعرف الناس فكرتكَ أوّلا، ثم يتذكرون اسمك لأنها ارتبطت بفكرة واضحة. أما الاسم الذي يسبق المشروع فيحتاج كل يوم إلى صورة جديدة كي يبقى حاضرا؛ ولذلك فإن أجمل حملة انتخابية ليست الأكثر صخبا، وإنما الأكثر وضوحا. لا تمنح البداية المبكرة صاحبها قيمة تلقائية؛ قد يركض شخص عامًا كاملا في الاتجاه الخطأ، بينما يصل آخر بخطوات أقل لأنه عرف وجهته منذ البداية.

انتخابات لم تبدأ بعد… وحملات استنفدت الكلام

أما الآن، وبين مرشح يغادر مدينته بحثا عن مستقبل سياسي في مدينة أخرى، وآخرين يعيدون رسم خرائط انتمائهم حسب اتجاه الرّيح، يبقى السؤال البسيط أكثر الأسئلة إحْراجا: ماذا تريدون أن تفعلوا فعلا؟ لا نريد جوابا من نوع “خدمة الصالح العام”، فهذه وظيفة السياسة وليست برنامجا. لا نريد “تنمية المنطقة”، فهذه غاية لا خطة. لا نريد “إعطاء الأولوية للشباب”، فالجملة سمعها الشباب حتى شابت هي نفسها. نريد أرقاما، آجالا، اختيارات، أولويات، موارد، ومسؤوليات واضحة.

حين يقدم المرشح ذلك، تبدأ الحملة الانتخابية بالمعنى الحقيقي. وما قبل ذلك قد يكون حركة كثيرة، صورا كثيرة، سيارات كثيرة، مصافحات كثيرة، هواتف مرفوعة، ابتسامات محسوبة، منشورات يومية، صخَبا رقميا كثيفا… وكَلامًا في كَلام.

لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.

المرَشَّحُ العابر للدوائر Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المر ش ح العابر للدوائر



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


هسبريس المر ش ح العابر للدوائر

كانت هذه تفاصيل المرَشَّحُ العابر للدوائر نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم