اخبار محلية يا حسرتي على بلدي.. حين يضيع الشباب ويسود الغلمان وتبقى الحكومة منشغلة بنفسها عاجل

يا حسرتي على بلدي حين يضيع الشباب ويسود الغلمان وتبقى الحكومة منشغلة بنفسها عاجل


اليكم الان يا حسرتي على بلدي.. حين يضيع الشباب ويسود الغلمان وتبقى الحكومة منشغلة بنفسها عاجل والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24

كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني - 

يا حسرتي على بلدي. وليست الحسرة لأنني أحني ظهري عشرات المرات يومياً كي ألتقط من شوارعه أغطية القوارير البلاستيكية، وعلب المشروبات الغازية الملقاة هنا وهناك، وأعقاب السجائر التي انطفأت على الأرصفة قبل أن ينطفئ في أصحابها الإحساس بالمسؤولية. وليست لأن الشوارع تضج أحياناً بصخب الحديث، وأبواق السيارات، أو لأن بعض الوجوه أصبحت تحمل من الكآبة ما يكفي لأن يفهم المرء منها ما لم تقله الشفاه. وكل هذه المشاهد، على قسوتها، ليست سوى التفاصيل الصغيرة في صورة أكبر بكثير؛ صورة بلد يتعب ببطء، ومجتمع يتراكم عليه الإحباط، وشباب ينظرون إلى المستقبل فلا يجدون فيه المكان الذي قيل لهم منذ طفولتهم إنه ينتظرهم. فالمشكلة الحقيقية ليست في قارورة بلاستيكية ملقاة على الرصيف، وإنما في الإنسان الذي يرميها ثم يمضي وكأن المكان الذي يعيش فيه لا يعنيه. وليست المشكلة في عقب السيجارة وحده، وإنما في تحول اللامبالاة إلى سلوك عادي، وفي أن يصبح القبح مألوفاً إلى درجة أننا نتوقف عن رؤيته. فالبلدان لا تبدأ في الانهيار حين تتشقق حجارتها، وإنما حين يتشقق الإحساس الذي يربط الإنسان بالمكان الذي يعيش فيه. وحين يشعر المواطن أن الشارع ليس شارعه، والحديقة ليست حديقته، والمال العام ليس ماله، والقانون لا يعنيه إلا عندما يُطبق على غيره، يبدأ شيء عميق في الانكسار. والحضارة، في جوهرها، ليست أبراجاً وطرقات ومباني حديثة؛ إنما الحضارة هي أن يشعر الإنسان أن ما حوله جزء من مسؤوليته، وأن حريته لا تمنحه الحق في تحويل حياة الآخرين إلى فوضى، وأن الوطن ليس شيئاً يقع خارج ذاته، بل هو المساحة المشتركة التي يعيش فيها الجميع.

لكن المشهد الأكثر إيلاماً ليس على الأرصفة، وإنما في البيوت. هناك شاب يحمل شهادة جامعية، وربما يحمل فوقها شهادة أخرى، وقد أمضى سنوات من عمره وهو يسمع أن التعليم هو الطريق إلى المستقبل، وأن الاجتهاد مفتاح النجاح، وأن عليه أن يصبر حتى يأتي دوره. ثم تخرج، وبدأ يبحث عن عمل. أرسل سيرته الذاتية، وطرق الأبواب، وانتظر اتصالاً لم يأتِ. ومرت الأشهر، ثم السنوات، وأصبح الانتظار جزءاً من حياته. وفي البداية كان يسأل متى سأجد وظيفة؟ ثم بدأ يسأل سؤالاً أكثر مرارة لماذا لا أجد وظيفة؟ وبعد سنوات قد يصل إلى السؤال الأخطر هل هناك أصلاً مكان لي في هذا البلد؟ وهنا تحديداً تتحول البطالة من مشكلة اقتصادية إلى أزمة في معنى الحياة. فالشاب لا يحتاج إلى راتب فقط؛ يحتاج إلى أن يشعر بأن وجوده له قيمة، وأن طاقته مطلوبة، وأن السنوات التي أمضاها في التعليم لم تكن عبثاً، وأن المجتمع الذي طلب منه أن يتعلم ويصبر ويحلم سيمنحه في المقابل فرصة ليعمل ويبني ويعيش بكرامة. وحين يُطلب من شاب أن ينتظر عاماً بعد عام، بينما تتقدم حياته في كل شيء إلا في العمل، فإن الحكومة لا تؤجل راتبه فقط؛ إنها تؤجل زواجه، واستقلاله، وتكوينه لأسرة، وشراءه لبيت، وبدءه لمشروع، وربما تؤجل إحساسه كله بأنه أصبح إنساناً قادراً على صناعة حياته بيده. وهذا هو الجانب الذي لا تظهره أرقام البطالة. الرقم يقول إن هناك نسبة من الشباب بلا عمل، لكنه لا يقول كم شاباً قضى ثلاث سنوات من عمره ينتظر. لا يقول كم أباً ينظر إلى ابنه العاطل ولا يعرف ماذا يقول له. لا يقول كم شاباً بدأ حياته بالدَّين، أو بالاعتماد على والديه، أو بالهجرة، أو بالعمل الذي لا علاقة له بتخصصه. ولا يقول شيئاً عن تلك اللحظة النفسية التي يجلس فيها الإنسان وحيداً ويشعر بأن السنوات تمر من أمامه وهو واقف في مكانه. فخسارة الاقتصاد من البطالة يمكن حسابها بالناتج والدخل والإنتاجية، أما خسارة الإنسان من البطالة فلا تظهر بهذه السهولة؛ لأنها تتمثل في شيء أكثر عمقاً، وهو السنوات من العمر لا يمكن استعادتها.

وهنا تصبح قضية الشباب قضية وطنية لا قضية اجتماعية هامشية. فالشباب ليسوا مجرد فئة عمرية في جدول إحصائي، وليسوا جمهوراً تستدعيه الحكومات في المؤتمرات لتلتقط معه الصور وتسمع منه بعض الكلمات عن الريادة والابتكار. فالشباب هم الزمن القادم للدولة. هم الذين سيدخلون سوق العمل، ويؤسسون الأسر، ويستهلكون وينتجون، ويبنون الشركات، ويدفعون الضرائب، ويعلمون أبناءهم، ويحملون المؤسسات بعد رحيل جيلنا. ولذلك فإن الحكومة التي تسمح لشبابها بأن يضيعوا لا تخسر حاضراً فقط؛ بل تستنزف مستقبلها بنفسها. وليس هذا توصيفاً عاطفياً فحسب؛ فالبنك الدولي يصف خلق الوظائف والبطالة في الأردن بأنهما من أبرز التحديات الاقتصادية، ويشير إلى أن معدل البطالة ظل مرتفعاً، وأن الشباب من أكثر الفئات تضرراً، مع استمرار مشكلات هيكلية في سوق العمل.

والأخطر من البطالة نفسها أن تتحول إلى قناعة. ففي البداية يعتقد الشاب أن عدم حصوله على وظيفة ظرف مؤقت، ثم يبدأ شيئاً فشيئاً بالاعتقاد أن الفرصة لا تأتي لمن يستحق، وإنما لمن يعرف الشخص المناسب، أو يملك المال المناسب، أو يقف في المكان المناسب. وحين تتسلل هذه الفكرة إلى وعي جيل كامل، تصبح المشكلة أكبر من سوق العمل؛ تصبح مشكلة ثقة. فالحكومة لا تستطيع أن تطلب من مواطنيها الإيمان بالقانون والمؤسسات إذا كان بعضهم يشعر أن قواعد اللعبة لا تعمل بالطريقة نفسها للجميع. ولا تستطيع أن تطلب من الشاب أن يبقى متفائلاً إذا كان يرى أن اجتهاده لا يكفي، وأن شهادته لا تكفي، وأن كفاءته لا تكفي، وأن الطريق إلى العمل أكثر ارتباطاً بالعلاقات منه بالقدرة. ومن هنا يبدأ السؤال الذي ينبغي أن يواجه الحكومة بلا تجميل ماذا تفعلون بهذا الجيل؟ لا ماذا تقولون عنه، ولا كم مرة عقدتم مؤتمراً حوله، ولا كم برنامجاً أعلنتم، ولا كم لجنة شكلتم. السؤال الحقيقي هو ماذا تغير في حياة الشاب نفسه؟ هل أصبح أكثر قدرة على العمل؟ هل أصبح الوصول إلى الوظيفة أكثر عدالة؟ هل أصبح إنشاء المشروع أسهل؟ هل أصبح الاستثمار أكثر قدرة على خلق وظائف حقيقية؟ هل أصبح التعليم أقرب إلى احتياجات الاقتصاد؟ وهل يشعر الشاب أن الحكومة تفكر في مستقبله كما تفكر في استمرارها؟ والمأساة تبدأ عندما تتحول الحكومة من مؤسسة موجودة لخدمة الدولة والمجتمع إلى مؤسسة منشغلة باستمرار وجودها. وحين يصبح الهم الأول هو إدارة اليوم، وامتصاص الغضب، والمحافظة على الصورة، وتجاوز الأزمة، وإبقاء التوازنات السياسية والإدارية، بينما يبقى المستقبل مؤجلاً. والحكومة ليست مطالبة بأن تصنع المعجزات، ولا يمكنها أن توفر وظيفة حكومية لكل شاب، ولا تستطيع أن تمنع كل أزمة اقتصادية أو إقليمية. لكن عليها أن تفعل شيئاً أكثر أهمية؛ أي أن تبني البيئة التي تجعل الشاب قادراً على صناعة فرصته بنفسه. والحكومة ليست مصنعاً للوظائف، لكنها تستطيع أن تجعل الاقتصاد مصنعاً للوظائف. فتستطيع أن تفتح المجال للاستثمار، وتزيل الحواجز غير الضرورية، وتحارب الاحتكار، وتربط التعليم بسوق العمل، وتدعم المشروعات القابلة للنمو، وتمنح القطاع الخاص أسباباً حقيقية للتوسع والتوظيف. وهنا يجب أن نتوقف عن التعامل مع الشباب باعتبارهم مشكلة تحتاج إلى إدارة. الشباب ليسوا مشكلة. والشباب هم الحل الذي لم نحسن استخدامه بعد. والمشكلة ليست في أن لدينا عدداً كبيراً من الشباب؛ المشكلة أن لدينا طاقة بشرية هائلة لا تجد الاقتصاد والمؤسسات الطريقة المناسبة لتحويلها إلى إنتاج. وحين تكون الدولة غنية بالطاقات البشرية لكنها فقيرة في الفرص، فإنها تشبه بيتاً يمتلك خزاناً كبيراً من الماء لكنه لا يملك الأنابيب التي توصله إلى الغرف. والماء موجود، لكن العطش موجود أيضاً. والشباب موجودون، لكن الفرص لا تصل إليهم.

ومن أكثر الأشياء ظلماً للشباب أن نستمر في مخاطبتهم بلغة الوعود. أن نقول لهم إنهم عماد المستقبل، ثم نتركهم يتساءلون أين هو المستقبل. وأن نقول لهم أنتم قادة الغد، بينما لا نمنحهم اليوم فرصة ليكونوا حتى موظفين. وأن نطالبهم بالصبر، بينما لا نشرح لهم إلى متى ينبغي أن يصبروا. فالصبر فضيلة حين يكون وراءه طريق، لكنه يتحول إلى إهانة حين يصبح بديلاً عن الحل. وليس من العدل أن نطلب من جيل كامل أن ينتظر حتى تتحسن الظروف، بينما تمر سنوات عمره دون أن تتحسن الظروف. فالشاب لا يريد من الحكومة أن تعطيه حياته جاهزة. وفي الحقيقة، كثير من الشباب لا يريدون وظيفة حكومية أصلاً. بل يريدون فرصة عادلة. ويريدون أن يعرفوا أن المشروع الذي يبدأونه يمكن أن يعيش، وأن القانون يحمي المنافسة، وأن الاستثمار لا يغرق في التعقيد، وأن الكفاءة يمكن أن تتقدم، وأن العمل الشريف يمكن أن يوفر حياة كريمة. ويريدون حكومة لا تحملهم على ظهرها، بل تزيل من طريقهم ما يمنعهم من المشي. وهذا فارق جوهري بين حكومة تصنع الاعتماد وحكومة تصنع القدرة. لكننا، في المقابل، لا نستطيع أن نلقي كل المسؤولية على الحكومة. فالوطن ليس شركة تملكها الحكومة، والمواطن ليس مجرد عميل ينتظر الخدمة. هناك مسؤولية أخلاقية تقع على المجتمع نفسه. ذلك الذي يرمي النفايات في الشارع جزء من المشكلة، والذي يحتقر العمل اليدوي جزء منها، والذي يريد وظيفة لا تتناسب مع قدرته أو تخصصه ثم يرفض كل عمل آخر جزء منها، والذي يمارس الواسطة حين يحتاج إليها ثم يلعنها حين تحرم غيره جزء منها. ولا يمكن أن نبني دولة حديثة بعقلية تريد قانوناً صارماً على الآخرين واستثناءاً شخصياً لنا. والدولة والمجتمع وجهان لعلاقة واحدة؛ وإذا كان المجتمع يريد دولة أفضل، فعليه أن يطالب بها، ولكن عليه أيضاً أن يكون مستعداً لأن يعيش وفق القواعد التي يريدها لها.

ومع ذلك، فإن مسؤولية الحكومة تبقى أكبر، لأنها تمتلك أدوات لا يمتلكها المواطن. فالمواطن يستطيع أن يحافظ على الشارع أمام بيته، لكن الحكومة تستطيع أن تبني نظاماً يجعل النظافة قاعدة عامة. والمواطن يستطيع أن يبحث عن عمل، لكن الحكومة تستطيع أن تؤثر في بيئة الاستثمار والتعليم وسوق العمل. والمواطن يستطيع أن يبدأ مشروعاً صغيراً، لكن الحكومة تستطيع أن تجعل الطريق أمامه مفتوحاً أو مستحيلاً. ولهذا فإن الحديث عن المسؤولية الفردية لا يجوز أن يتحول إلى ذريعة لإعفاء المؤسسات من مسؤوليتها. ولا يمكن أن نقول للشاب كن ريادياً، ثم نترك البيئة التي سيعمل فيها معقدة ومكلفة ومغلقة. ولا يمكن أن نقول له طور مهاراتك، ثم لا نسأل إن كان الاقتصاد قادراً على استيعاب هذه المهارات. والأكثر إيلاماً من كل ذلك هو الفقر الذي يدخل البيوت بصمت. ذلك الإنسان الذي لا يطلب منك مالاً ليشتري سيارة، ولا ليذهب في رحلة، ولا ليعيش حياة مترفة، وإنما يطلب منك أن تدفع فاتورة الكهرباء أو الماء، أو أن تشتري له طعام اليوم. هذه ليست مجرد مسألة مالية. إنها لحظة ينكشف فيها معنى الكرامة الإنسانية. فالإنسان يستطيع أن يتحمل كثيراً إذا شعر أن الفقر مرحلة عابرة، وأن أمامه طريقاً للعمل والتحسن. لكنه حين يشعر أن الفقر هو مستقبله، يتحول الأمر إلى شيء آخر تماماً. يصبح الإنسان محاصراً لا في دخله فقط، وإنما في خياراته. لا يستطيع أن يخطط، ولا أن يدخر، ولا أن يستثمر في أبنائه كما يريد، ولا أن يرى غداً مختلفاً عن اليوم. ومع ذلك كله أكرر ما بدأت به مناحتي وهي أن أخطر ما يمكن أن يحدث لنا ليس الفقر، ولا البطالة، ولا حتى سوء الإدارة.، بل أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن نعتاد؛ أن نعتاد أن يكون الشاب عاطلاً، وأن نعتاد أن يكون الحصول على وظيفة معركة، وأن نعتاد أن يطلب الإنسان أن تُدفع فاتوة كهرباء بيته لأنه لا يملك ذلك، وأن نعتاد أن تكون القمامة جزءاً من المشهد، وأن نعتاد أن نسمع الوعود ثم ننسى أنها قيلت، وأن نعتاد أن نقول هكذا هي الحياة!

لا، ليست هذه هي الحياة التي ينبغي أن نقبل بها! وليس الوطن قدراً جامداً لا يمكن تغييره. أرجوكم أزيلوا الحسرة من قلبي !!!

.

يا حسرتي على بلدي حين يضيع الشباب ويسود الغلمان وتبقى الحكومة منشغلة بنفسها عاجل



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


جو 24 يا حسرتي على بلدي حين يضيع الشباب ويسود الغلمان وتبقى

كانت هذه تفاصيل يا حسرتي على بلدي.. حين يضيع الشباب ويسود الغلمان وتبقى الحكومة منشغلة بنفسها عاجل نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم