اليكم الان كيف فتح الحوار طريقًا للتعايش في تعز؟ حكاية المعهد التقني والان إلى التفاصيل من المصدر الاول _ من قلب الحدث
لم يبدأ الحل باتفاق الأطراف على احتياجاتها، بل بقبولها الجلوس إلى مساحة واحدة والاستماع إلى بعضها. وعلى مدى عامين، جمعت وساطة محلية طلابًا ومعلمين وعسكريين وسلطات محلية وجهات مدنية وقطاعًا خاصًا حول احتياجات متباينة، بحثًا عن حل يعيد المعهد إلى وظيفته التعليمية، من دون تجاهل احتياجات الجهات التي كانت تستخدم أجزاء منه.
وانتهى هذا المسار في 15 فبراير/شباط 2026 بإخلاء المعهد التقني الصناعي في تعز وتسليمه لبدء أعمال الترميم وإعادة التأهيل، فيما بدأت المؤسسة استعادة نشاطها التعليمي تدريجيًا، وفتحت باب التسجيل في أقسام الطاقة المتجددة إلى جانب استحداث أقسام جديدة.
مبنى واحد.. احتياجات متباينة
يقع المعهد التقني الصناعي في الحصب بمدينة تعز، ويخدم طلابًا من 23 مديرية، ويضم 32 مبنى و18 قسمًا مهنيًا وتقنيًا.
وقبل الحرب، كان المعهد يستوعب نحو أربعة آلاف طالب وطالبة، قبل أن تتراجع قدرته الاستيعابية إلى نحو 900 طالب نتيجة استخدام أجزاء من منشآته لأغراض غير تعليمية.
ويقول مدير المعهد التقني، قائد الصلوي، إن 96 مذكرة صدرت خلال السنوات الماضية للمطالبة بإخلاء المعهد وإعادته إلى التعليم، دون أن تنجح المطالبات السابقة في إنهاء استخدامه خارج وظيفته التعليمية.
في المقابل، واجهت المؤسسات العسكرية خلال سنوات الحرب احتياجات مرتبطة بتوسع مهامها والحاجة إلى مبانٍ تستوعب هذه المهام.
وخلال إحدى المناقشات المتعلقة بالملف، قال المستشار العسكري سالم عبد فرحان:«ما كان يتسع بالأمس لشخص، اليوم يتسع لاثنين». كان اختلاف الاحتياجات أحد أسباب تعقيد القضية؛ فالطلاب يحتاجون إلى قاعاتهم ومعاملهم، بينما كانت الجهات الموجودة في المعهد تواجه بدورها احتياجات مرتبطة بعملها.
من المطالبة بالإخلاء إلى فتح باب الحوار
في مطلع عام 2024، بدأت مبادرة «حق الجميع» ضمن فريق شباب دعم الوساطة، في إطار مشروع مأسسة السلام في اليمن، المنفذ من DeepRoot Consulting والممول من الاتحاد الأوروبي.
شارك في المرحلة الأولى الوسيط المحلي معين العبيدي، والباحث عبدالحكيم المليكي، ومنير عبدالمحمود المقطري، إلى جانب متطوعين ومساندين انضموا لاحقًا إلى المسار.
بدأ الفريق بعقد لقاءات مع الأطراف المرتبطة بالقضية، والاستماع إلى مواقفها واحتياجاتها.
لم يعد النقاش يقتصر على المطالبة بإخلاء المبنى، بل اتجه إلى فهم أسباب استمرار استخدامه، وما الذي تحتاجه الجهات الموجودة فيه حتى يصبح الانتقال إلى أماكن أخرى ممكنًا.
ويقول محمد الحريبي، الذي عمل إلى جانب فريق الوساطة، إن فتح حوار حول القضية لم يكن سهلًا، في ظل تراكم الخلافات والظروف التي فرضتها الحرب واختلاف الأولويات بين الأطراف.
وتوضح سميرة عبد اللطيف أن العمل ركز على فهم دوافع الأطراف والبحث عن خطوات قابلة للتنفيذ بدل الاكتفاء بالمطالبة بالإخلاء، وهو ما وصفته بـ«فن الممكن»: البدء بما يمكن تحقيقه والبناء عليه.
ثلاث قاعات كانت بداية الطريق
خلال المرحلة الأولى، ظهرت فرصة للبدء بخطوة عملية عندما أوضح مدير مكتب التعليم الفني والتدريب المهني قائد الصلوي أن أجهزة مخصصة لقسم الطاقة المتجددة وصلت إلى تعز، بينما لم تتوفر مساحة مناسبة لاستيعابها في المعهد.
أدت المباحثات إلى إخلاء ثلاث قاعات دراسية كانت تشغلها الشرطة العسكرية، وترميمها بصورة مبسطة، وإنشاء قسم للطاقة المتجددة في المعهد.
كما جرى العمل على استمرار دراسة الطلاب في القاعات المتاحة.وبالتوازي، أُعدت ورقة سياسات حول المنشآت العامة بمشاركة الباحث راشد محمد، تناولت قضية استخدام المنشآت العامة في ظروف الحرب.
لم تحل القاعات الثلاث مشكلة المعهد كاملة، لكنها قدمت نتيجة عملية للحوار، وأظهرت إمكانية الوصول إلى حلول جزئية، ووفرت أساسًا لمواصلة النقاش حول بقية المبنى.
عندما انتهى التمويل ولم ينته الحوار
انتهت المنحة الأولى، التي بلغت خمسة آلاف دولار، بينما ظل جزء من المعهد مستخدمًا خارج وظيفته التعليمية.
واصل فريق الوساطة متابعة القضية، واستمرت اللقاءات الفردية والجماعية من 29 أغسطس/آب 2024 وحتى نهاية عام 2025، بمشاركة الوسيط توران الحداد ومحمد الحريبي.
وشملت اللقاءات مستشار محور تعز عبده فرحان سالم، وقيادات الشرطة العسكرية، وإدارة المعهد، ومسؤولين محليين وجهات معنية بملف المباني العامة.
وخلال هذه اللقاءات، برزت مسألة توفير مبنى بديل للشرطة العسكرية باعتبارها أحد العوامل المرتبطة بعملية الإخلاء.
وهنا تغير السؤال الذي يدور حوله النقاش؛ فبدل أن يبقى: «لماذا لا يتم إخلاء المعهد؟»، أصبح: «ما الذي تحتاجه الجهات الموجودة فيه حتى يصبح الإخلاء ممكنًا؟».
أدخل هذا التحول احتياجات الأطراف المختلفة في صلب النقاش، وأصبح البحث عن البدائل جزءًا من الطريق إلى استعادة المعهد.
الحوار بين المختلفين
مع استمرار القضية، اتسعت دائرة المشاركين في النقاش.
تواصل فريق الوساطة مع لجنة المصالحة والسلم الاجتماعي، وعقد لقاءات مع رئيس اللجنة عبدالسلام رزاز والأستاذ عادل العقيبي لمناقشة الخيارات الممكنة.
وفي أغسطس/آب 2025، انضمت سميرة عبد اللطيف إلى شبكة «ركائز للسلام»، ما أتاح التواصل مع وسطاء محليين وقيادات من قطاعات مختلفة.
وفي المرحلة الثانية من مبادرة «حق الجميع»، استمر العمل مع الوسيط توران الحداد ومحمد الحريبي.
كما امتدت الاتصالات إلى القطاع الخاص والجهات الداعمة. والتقى الفريق ممثل مجموعة هائل سعيد أنعم ربيع بازل لعرض احتياجات المعهد، فيما أشار مدير مكتب التخطيط والتعاون الدولي نبيل جامل إلى وجود منحة من منظمة الهجرة الدولية لتأهيل المعهد، واقترح تنسيق الجهود بين الجهات ذات العلاقة.
ومع دخول أطراف جديدة، اتسع النقاش ليشمل الإخلاء والبدائل وإعادة التأهيل، إلى جانب إعادة المعهد إلى وظيفته التعليمية.
القرار الرئاسي.. والتنفيذ الذي احتاج إلى حوار
صدر القرار الرئاسي بإخلاء المعهد، لكنه لم يؤدِّ وحده إلى إنهاء استخدام المبنى.
استمر الحوار والوساطة، مع متابعة احتياجات الأطراف ومناقشة البدائل وإمكانات النقل والتأهيل.
وخلال هذه الفترة، ساهم استمرار التواصل في إبقاء القضية ضمن مسار التفاوض، في وقت كانت فيه الخلافات حول المعهد تجد طريقها إلى النقاش العام ومنصات التواصل الاجتماعي.كما أتاحت اللقاءات مساحة للتواصل بعيدًا عن التصعيد، وساعدت في تجنب تحول الخلاف حول المبنى إلى مواجهة بين الطلاب والعسكريين.
وفي إحدى مراحل المسار، تمكن الطلاب والعسكريون من التواجد داخل المبنى نفسه، في ظل ترتيبات سمحت باستمرار العملية التعليمية في بعض المساحات، بينما استمرت المباحثات بشأن بقية المبنى.
ومع استمرار هذا التواجد، بقيت قنوات التواصل مفتوحة حول استخدام المساحات والبدائل الممكنة، إلى أن تهيأت الظروف لتنفيذ الإخلاء.
15 فبراير.. حين اجتمعت الأطراف في مكان واحد
في 15 فبراير/شباط 2026، استكملت اللجنة المكلفة بإخلاء المباني، بقيادة المستشار سالم، عملية إخلاء وتسليم المعهد التقني الصناعي.وجرت عملية التسليم بحضور إدارة المعهد، ومنظمة الهجرة الدولية، والسلطة المحلية، وممثلين عن القطاع الخاص، إلى جانب معلمين وإعلاميين.
في ذلك اليوم، اجتمعت في مساحة واحدة جهات اختلفت احتياجاتها ومواقعها خلال السنوات السابقة: عسكريون وتعليميون، ومسؤولون محليون، وجهة دولية، وقطاع خاص، ومعلمون وإعلاميون.
بعد التسليم، تسلمت منظمة الهجرة الدولية المعهد وبدأت أعمال الترميم وإعادة التأهيل، فيما بدأت إدارة المعهد استعادة نشاطه التعليمي.
ومع تقدم أعمال الترميم، فتح المعهد باب التسجيل في أقسام الطاقة المتجددة، إلى جانب أقسام جديدة.
من مساحة خلاف إلى مساحة مشتركة
اليوم، يستعيد المعهد تدريجيًا دوره كمؤسسة للتعليم والتدريب المهني، ويفتح أبوابه أمام طلاب من مديريات مختلفة وخلفيات اجتماعية متعددة.
المكان الذي شهد خلال سنوات الحرب استخدامًا خارج وظيفته التعليمية، يستعيد القاعات التي يفترض أن تجمع الطلاب والمعلمين حول الدراسة والتدريب.
وفي هذا التحول، لا تكمن أهمية المعهد في استعادة مبنى فحسب، وإنما في استعادة وظيفة يمكن أن تجمع أشخاصًا فرقتهم الحرب.
طلاب ومعلمون، وعسكريون، وسلطة محلية، ومنظمة دولية، وقطاع خاص، وإعلاميون، اجتمعوا في نهاية المسار حول مكان واحد، لكن حول وظيفة مختلفة للمكان.
لم تُلغِ الوساطة اختلاف الاحتياجات بين الأطراف، ولم تجعل الوصول إلى الحل سريعًا. لكنها أبقت باب الحوار مفتوحًا، وسمحت لكل طرف بأن يعرض احتياجاته ومخاوفه، وأن تُبحث البدائل بدل أن يتحول الاختلاف إلى مواجهة.
وبعد أكثر من عامين من الحوار، انتقلت القضية من مبنى متنازع على استخدامه إلى مؤسسة يجري ترميمها واستعادة برامجها التعليمية.
أما بالنسبة إليّ، فلم تتوقف التجربة عند المعهد.
واصلت بعد ذلك المشاركة في تصميم منتديات حوارية وقيادة وساطات مجتمعية في قضايا مختلفة، مستفيدة من تجربة علّمتني أن الحوار ليس مجرد جلسة تجمع المختلفين حول طاولة، وإنما عملية طويلة تبدأ بالاستماع، وتحتاج إلى بناء الثقة، والبحث عن نقاط يمكن أن يلتقي عندها المختلفون.
في تعز، لم يكن التعايش اتفاقًا على أن الأطراف متشابهة، بل كان قدرتها على البقاء في مساحة واحدة رغم اختلاف احتياجاتها، والاستماع إلى بعضها، والبحث عن حل يمكن أن يتسع للجميع.
ومن هنا، عاد المعهد إلى طلابه.
عاد بوصفه أكثر من مبنى استُعيدت وظيفته؛ عاد مساحةً للتعليم والتدريب، ومساحةً يمكن أن يلتقي فيها أبناء مجتمع أنهكته الحرب والنزوح والانقسام، حول شيء يجمعهم بدل ما يفرقهم.
وربما تكمن قيمة هذه التجربة في أن باب التعايش لم يُفتح عندما انتهى الخلاف، بل عندما قرر المختلفون أن يجلسوا معًا رغم استمرار الخلاف، وأن يبحثوا عن مساحة يستطيع الجميع أن يكونوا جزءًا منها
كيف فتح الحوار طريق ا للتعايش في تعز حكاية المعهد التقني
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
الاول _ من قلب الحدث كيف فتح الحوار طريق ا للتعايش في تعز حكاية المعهد التقني
كانت هذه تفاصيل كيف فتح الحوار طريقًا للتعايش في تعز؟ حكاية المعهد التقني نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

