اليكم الان مبادرة «بداية».. استثمار في العقول وبناء الإنسان والان إلى التفاصيل من المصدر جريده المساء
بقلم: د. شيماء محسن عبد الحي
(خبير إدارة الموارد البشرية والتنمية المستدامة)
تتجلى أهمية المبادرة الرئاسية «بداية جديدة لبناء الإنسان» باعتبارها رؤية وطنية تتجاوز مفهوم المبادرات التقليدية، لتضع الاستثمار في أعظم موارد الدولة المصرية في مقدمة أولوياتها: الإنسان، والعقل، والقدرة على التعلم والإبداع والعمل والإنتاج.
إن بناء الإنسان ليس ملفًا خدميًا منفصلًا عن الاقتصاد أو التنمية، بل يمثل نقطة الالتقاء بين التعليم والصحة والثقافة والتدريب والتشغيل والوعي والقيم والانتماء. فالدولة التي تسعى إلى بناء اقتصاد قوي تحتاج إلى إنسان مؤهل معرفيًا ومهنيًا ونفسيًا، كما أن الدولة التي تطمح إلى مجتمع أكثر استقرارًا تحتاج إلى مواطن واعٍ ومسؤول وقادر على اتخاذ القرار.
الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان
على مدار سنوات طويلة، ارتبط مفهوم الاستثمار في أذهان البعض بالمصانع والطرق والموانئ والمشروعات الكبرى، وهي جميعًا عناصر أساسية في بناء الدولة الحديثة. غير أن التجارب الدولية تؤكد أن رأس المال البشري هو الذي يمنح هذه الاستثمارات قيمتها وقدرتها على الاستمرار.
فالمصنع يحتاج إلى مهندس وعامل وفني ومدير، والمشروع الرقمي يحتاج إلى عقل مبتكر، والمنظومة الصحية تحتاج إلى أطباء وهيئات تمريض وكوادر إدارية مؤهلة، كما تحتاج مشروعات التنمية المستدامة إلى متخصصين قادرين على تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة.
لذلك، فإن الاستثمار في الإنسان لا يمثل إنفاقًا استهلاكيًا، بل هو استثمار طويل الأجل في القدرة الإنتاجية للدولة.
وهنا تبرز أهمية «بداية»، لأنها تضع الإنسان في قلب عملية التنمية، وتتعامل معه باعتباره شريكًا في صناعة المستقبل، وليس مجرد مستفيد من الخدمات.
من بناء المشروعات إلى بناء الإنسان
شهدت مصر خلال السنوات الماضية توسعًا كبيرًا في مشروعات البنية الأساسية والخدمات، إلا أن التحدي الأكبر يتمثل حاليًا في تحقيق التكامل بين هذه المشروعات وبين الإنسان القادر على تشغيلها والاستفادة منها وتطويرها.
فما قيمة التحول الرقمي إذا لم نمتلك كوادر رقمية مؤهلة؟
وما قيمة اقتصاد المعرفة إذا لم نؤسس لجيل يمتلك مهارات التفكير النقدي والابتكار؟
وما قيمة سوق العمل المتطور إذا ظل التعليم والتدريب بعيدين عن احتياجاته؟
من هنا، تصبح «بداية» فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين التعليم والتدريب وسوق العمل والتنمية الاقتصادية.
وهذا هو جوهر الاستثمار الذكي في رأس المال البشري: الانتقال من تدريب الإنسان على أداء وظيفة محددة إلى بناء إنسان قادر على التعلم المستمر، وإعادة التأهيل، والتكيف مع المتغيرات.
العقول المصرية.. ثروة تحتاج إلى اكتشاف
تمتلك مصر ثروة بشرية كبيرة من الشباب، ويمكن لهذه الثروة أن تصبح أحد أهم محركات النمو خلال العقود المقبلة إذا جرى توجيهها وفق أسس علمية.
فالشاب المصري لا يحتاج فقط إلى فرصة عمل، بل يحتاج أيضًا إلى اكتشاف موهبته، وصقل مهاراته، وتوجيه طاقاته، وربطها بالفرص الحقيقية المتاحة في الاقتصاد.
وهنا يأتي دور المؤسسات التعليمية ومراكز التدريب والقطاع الخاص والمجتمع المدني ضمن منظومة متكاملة، بحيث تعمل جميع الأطراف بصورة منسقة، ولا تعمل أي جهة بمعزل عن الأخرى.
إن المطلوب ليس مجرد تخريج أعداد كبيرة من الشباب، وإنما إعداد أجيال قادرة على المنافسة والإبداع والإنتاج.
فالوظائف المستقبلية لن تكون بالضرورة هي الوظائف التي نعرفها اليوم، كما أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي تعيد تشكيل سوق العمل بوتيرة متسارعة، الأمر الذي يفرض علينا إعداد أبنائنا للمستقبل، لا للماضي.
التعليم وحده لا يكفي.. نحتاج إلى التعلم مدى الحياة
من أهم التحولات التي ينبغي أن تكرسها منظومة بناء الإنسان التوقف عن النظر إلى التعليم باعتباره مرحلة تنتهي بالحصول على شهادة.
فالعالم يتغير بسرعة، والمهن نفسها تتطور، والمهارات المطلوبة اليوم قد لا تكون كافية بعد سنوات قليلة.
لذلك، يجب أن يتحول مفهوم التعلم مدى الحياة إلى ثقافة مجتمعية، بحيث يصبح تطوير الإنسان لذاته جزءًا أساسيًا من مسيرته المهنية والشخصية.
وهنا يأتي التدريب بوصفه أداة استراتيجية، وليس مجرد دورات للحصول على شهادات.
فالتدريب الحقيقي هو الذي يقيس أثره في الأداء، ويرتبط باحتياجات سوق العمل، ويُترجم إلى إنتاجية وابتكار وفرص حقيقية.
«بداية» والربط بين التنمية المستدامة وبناء الإنسان
من منظور التنمية المستدامة، لا يمكن تحقيق أي تقدم حقيقي دون الاستثمار في الإنسان.
فأهداف التنمية المستدامة لا تقتصر على النمو الاقتصادي، بل ترتبط أيضًا بالتعليم الجيد، والصحة، والعمل اللائق، والحد من أوجه عدم المساواة، وتمكين الشباب والمرأة، وبناء مجتمعات أكثر قدرة على مواجهة التحديات.
ومن هنا، فإن بناء الإنسان يمثل القاعدة المشتركة التي تتقاطع عندها مختلف مسارات التنمية.
فالإنسان المتعلم أكثر قدرة على الإنتاج، والإنسان السليم أكثر قدرة على العمل، والإنسان المدرب أكثر قدرة على الابتكار، والإنسان الواعي أكثر قدرة على حماية مجتمعه من الشائعات والتضليل والاستقطاب.
الوعي جزء من بناء الإنسان
لا يمكن اختزال بناء الإنسان في التعليم والتوظيف فقط، فالوعي عنصر أساسي في بناء الشخصية المصرية.
نحن أمام عالم مفتوح تتدفق فيه المعلومات عبر الهواتف والمنصات الرقمية في كل لحظة، وأصبح المواطن يتعرض لكم هائل من الأخبار والمعلومات والمحتوى المتضارب.
لذلك، يجب أن يتضمن بناء الإنسان تنمية العقل النقدي القادر على التحقق والتحليل والتمييز بين الحقيقة والشائعة.
كما أن ترسيخ قيم العمل والانضباط والمسؤولية والانتماء واحترام القانون وقبول الاختلاف يمثل جزءًا لا يتجزأ من الاستثمار في رأس المال البشري.
الأسرة شريك أساسي في بناء الإنسان
لا يمكن أن تنجح أي استراتيجية وطنية لبناء الإنسان إذا بقيت الأسرة خارج المعادلة.
فالأسرة هي المؤسسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معاني المسؤولية والانضباط والاحترام والعمل والثقة بالنفس.
ومن هنا، فإن دعم الأسرة ورفع الوعي بأساليب التربية الحديثة، وتعزيز القدرة على التعامل مع التحديات النفسية والاجتماعية والتكنولوجية التي تواجه الأبناء، يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل المجتمع.
إننا لا نبني الإنسان داخل المدرسة أو الجامعة أو مركز التدريب فحسب، بل نبنيه أيضًا داخل البيت.
المرأة والشباب.. قوة مصر الناعمة والمنتجة
لا يمكن أن يكتمل بناء الإنسان دون تعظيم دور المرأة وتمكينها معرفيًا ومهنيًا واقتصاديًا، والاستفادة من قدراتها في مختلف المجالات.
فالمرأة المصرية ليست شريكًا في التنمية فحسب، بل هي في كثير من الأحيان صانعة الاستقرار داخل الأسرة، وتؤثر بصورة مباشرة في تشكيل وعي الأجيال الجديدة.
أما الشباب، فهم قلب هذه العملية ومحركها الرئيسي؛ إذ إن الطاقة الشبابية، إذا لم تجد المسار الصحيح، قد تتحول إلى طاقة مهدرة، بينما تتحول، إذا جرى توجيهها من خلال التعليم والتدريب وإتاحة الفرص، إلى قوة للإنتاج والابتكار وريادة الأعمال.
أرى أن التحدي الحقيقي أمام «بداية» لا يقتصر على إطلاق البرامج، بل يتمثل أيضًا في ضمان استدامة أثرها.
فنحن بحاجة إلى منظومة متكاملة تقيس نتائج الاستثمار في الإنسان بصورة واضحة:
ما عدد الشباب الذين اكتسبوا مهارات جديدة؟
كم فرصة عمل حقيقية نتجت عن التدريب؟
كم مشروعًا ناشئًا خرج من برامج التأهيل؟
ما حجم التحسن في المهارات الرقمية والمهنية؟
وكم من الكفاءات استطاعت الانتقال إلى وظائف أكثر إنتاجية؟
ينبغي أن تصبح هذه المؤشرات وغيرها جزءًا من عملية تقييم مستمرة، لأن نجاح أي مبادرة لا يُقاس بعدد المشاركين فيها، وإنما بحجم التغيير الذي أحدثته في حياة الإنسان.
مصر لا تبني حاضرها فقط.. بل تؤسس لمستقبلها
تحمل المبادرة الرئاسية «بداية» في جوهرها رسالة بالغة الأهمية، مفادها أن الإنسان المصري ليس عنصرًا تابعًا لمسيرة التنمية، بل هو محركها الأساسي.
ومصر التي تستثمر في مدارسها وجامعاتها ومراكز التدريب، وتدعم شبابها، وتمكّن نساءها، وترفع مستوى الوعي، وتربط التعليم بسوق العمل، إنما تستثمر في قدرتها على المنافسة لعقود مقبلة.
فالدول لا تتقدم فقط بما تمتلكه من موارد طبيعية، وإنما بما تمتلكه من عقول قادرة على إدارة هذه الموارد وتحويلها إلى قيمة مضافة.
وفي تقديري، فإن أعظم ما يمكن أن نتركه للأجيال القادمة ليس فقط مشروعات ضخمة أو بنية أساسية متطورة، وإنما إنسان مصري يمتلك العلم والمهارة والوعي والثقة، والقدرة على صناعة القرار وتحمل المسؤولية.
وهنا تتحول «بداية» من مجرد مبادرة إلى فلسفة تنموية متكاملة، عنوانها أن بداية نهضة الدولة الحقيقية تنطلق من بداية جديدة للإنسان.
فحين نستثمر في عقل طفل، فإننا لا نبني فردًا فحسب، بل نبني أسرة.
وحين نؤهل شابًا لسوق العمل، فإننا لا نوفر وظيفة فقط، بل نضيف قوة جديدة إلى الاقتصاد.
وحين نمكّن امرأة، فإننا لا ندعم فردًا فحسب، بل نعزز استقرار أسرة ومجتمع.
وحين نبني وعي المواطن، فإننا نحمي مجتمعًا كاملًا من مخاطر الجهل والتضليل والاستقطاب.
وهكذا يصبح الاستثمار في العقول هو الاستثمار الأعلى عائدًا، وتصبح التنمية الحقيقية هي تلك التي تترك أثرها في الإنسان قبل أن تترك أثرها في الحجر.
ظهرت المقالة مبادرة «بداية».. استثمار في العقول وبناء الإنسان أولاً على جريدة المساء.
مبادرة بداية استثمار في العقول وبناء الإنسان
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
جريده المساء مبادرة بداية استثمار في العقول وبناء الإنسان
كانت هذه تفاصيل مبادرة «بداية».. استثمار في العقول وبناء الإنسان نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جريده المساء و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

