اخبار محلية «العاطلون» لخولة بن ساسي : تشريح مدينة الجنائز المؤجلة

العاطلون لخولة بن ساسي تشريح مدينة الجنائز المؤجلة


اليكم الان «العاطلون» لخولة بن ساسي : تشريح مدينة الجنائز المؤجلة والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس

ليست رواية «العاطلون» للكاتبة الجزائرية خولة بن ساسي رواية عن البطالة فقط، رغم أن العنوان يضع القارئ مباشرة أمام هذه الإشكالية. فخلف هذا المفهوم الاجتماعي تختبئ أسئلة أكثر عمقا حول الإنسان عندما يفقد العمل، والمكان، والإحساس بالقدرة على صناعة مستقبله. العطالة هنا لا تعني غياب الوظيفة فحسب، وإنما تشير إلى حالة أوسع من التعطل الداخلي، حين يفقد الإنسان شيئا من قدرته على الفعل، وعلى الحلم، وعلى تصور الغد.

جمال ڨتالة

الرواية الصادرة عن دار أدليس بلزمة سنة 2024 في 142 صفحة، تنقل القارئ إلى مدينة «المسرة»، التي لا تبدو مجرد فضاء للأحداث، بل تتحول إلى رمز للهامش الاجتماعي ولأجيال وجدت نفسها محاصرة بين الانتظار والانكسار. المكان في الرواية ليس محايدا؛ يحمل آثار سكانه، ويعيد إليهم خيباتهم، ويصبح جزءا من تكوينهم النفسي والاجتماعي.

منذ الصفحات الأولى، تقدم خولة بن ساسي عالما روائيا قاتما: «إنها مدينة الجنائز المؤجلة، والظلمة التي تأتي رفقة الشمس». ليست الجنائز هنا مرتبطة بالموت وحده، بل بموت الأحلام وتأجيل الحياة. فالرواية تشتغل على فكرة أساسية: الإنسان قد يبقى حيا، لكنه يفقد تدريجيا شعوره بأنه جزء فاعل من العالم.

«المسرة»… مدينة تعكس أزمة اجتماعية عميقة

تنجح خولة بن ساسي في تحويل «المسرة» إلى أكثر من مكان تجري فيه الأحداث. المدينة تحمل ذاكرة سكانها، لكنها تحمل أيضا آثار التهميش الذي أصابهم. إنها مكان يبدو الزمن فيه عالقا، حيث تتكرر الأيام ويتحول الانتظار من مرحلة مؤقتة إلى أسلوب حياة.

لا تقدم الرواية الفقر باعتباره نقصا ماديا فحسب، بل تكشف انعكاساته على التفكير والسلوك ونظرة الإنسان إلى نفسه. فحين يطول غياب العمل، لا يختفي مصدر الدخل فقط، بل يتراجع أيضا الإحساس بالاستقرار والاعتراف الاجتماعي. يصبح الفرد مطالبا باستمرار بتبرير وجوده أمام مجتمع يقيس قيمته بما ينتجه، وبما يستطيع أن يحققه، وبالمكان الذي يشغله بين الآخرين.

في «المسرة»، يبدو المستقبل نفسه غائبا. الأيام تتشابه، والزمن يتحرك دون أن يحمل بالضرورة تغييرا حقيقيا. ولهذا فإن البطالة تتحول من وضع اقتصادي إلى تجربة نفسية. الانتظار الطويل يستهلك الإنسان من الداخل، ويجعله أكثر هشاشة أمام الأسرة والمجتمع وحتى أمام نفسه.

تكتب الرواية: «المسرة مكان مشطوب، رغم أنها القفة التي تحمل الجميع، مكان عودة المهزومين، هنا لا يخجل أحد من كسره، كلنا نسير بأرجل عرجاء».

هذه العبارة تختصر جوهر العالم الروائي. الهزيمة لم تعد حالة فردية يمكن إخفاؤها، بل أصبحت واقعا جماعيا مألوفا. الجميع يحمل أثرا من الانكسار، والجميع يعرف أن الآخر يحمل الكسر نفسه.

ومن هنا تكتسب «المسرة» دلالتها الرمزية. ليست مدينة للفقراء فقط، ولا مكانا يجتمع فيه العاطلون، وإنما فضاء تتقاطع فيه الخيبات الشخصية مع الإخفاق الاجتماعي. ما يحدث للشخصيات ليس منفصلا عن المكان، وما يحدث للمكان ليس منفصلا عن سكانه.

شخصيات تواجه نتائج التهميش والانهيار

قوة «العاطلون» لا تكمن فقط في موضوعها الاجتماعي، بل في شخصياتها التي لا تظهر كرموز مجردة، وإنما كأشخاص يحملون تناقضاتهم وضعفهم وغضبهم. مقداد وروان وبثينة وبيّنة يتحركون داخل عالم لا يمنحهم الكثير من الخيارات، لكن الرواية لا تحولهم إلى ضحايا بلا مسؤولية.

شخصية «مقداد» تكشف أحد أكثر جوانب الرواية قسوة. فهو إنسان سحقته ظروفه، لكنه لا ينجح دائما في تحويل ألمه إلى مقاومة، بل يعيد إنتاج العنف داخل محيطه القريب. ومن خلال هذه الشخصية، تطرح خولة بن ساسي سؤالا حول العلاقة بين الإحباط والعنف، وكيف يمكن للإنسان المهمش أن يتحول بدوره إلى مصدر معاناة.

العنف في الرواية ليس مجرد حادثة فردية. خلفه تراكم اجتماعي ونفسي طويل، من البطالة إلى الإقصاء، ومن الإحساس بالفشل إلى ضغط الأسرة والمجتمع. البيت، الذي يفترض أن يكون مساحة للحماية، يصبح أحيانا المكان الذي تظهر فيه آثار الانهيار بأكثر صورها قسوة.

أما شخصية «روان» فتجسد أزمة جيل لا يعاني من البطالة وحدها، بل من غياب المعنى والمرجعيات. يبحث عن مكانه في عالم لا يمنحه إجابات واضحة، ويواجه واقعا فقد فيه الكثير من الثقة. ولذلك فإن أزمة روان لا تختصر في سؤال «ماذا سأعمل؟»، وإنما تمتد إلى سؤال أكثر إيلاما: «من سأكون؟».

هنا تبتعد خولة بن ساسي عن تقديم الشباب كضحايا فقط، وتقدم صورة أكثر تعقيدا. شباب يحملون آثار الظروف التي عاشوها، لكنهم يتحملون أيضا نتائج اختياراتهم وانفعالاتهم. المجتمع يضغط، لكن الفرد لا يختفي تماما خلف هذا الضغط.

وتتسع الدائرة حين تلامس الرواية مسألة القدوة والمرجعيات. جيل يجد نفسه أمام أصوات كثيرة، لكنه لا يجد بالضرورة نموذجا يثق به أو مشروعا يستطيع أن ينتمي إليه. ومن هذه الفجوة يولد نوع آخر من البطالة: البطالة عن المعنى.

المرأة أيضا لا تخرج من هذا المناخ سالمة. من خلال بثينة، تفتح الرواية أسئلة تتصل بالزواج والضغط الاجتماعي والصورة التي يرسمها المجتمع للمرأة. تتحول بعض الأحكام المتوارثة إلى سلطة حقيقية على الحياة الخاصة، فتضيق مساحة الاختيار ويصبح الفرد مطالبا بأن يعيش وفقا لما ينتظره الآخرون منه.

وفي المقابل، يظل الرجل أسيرا لصورة أخرى لا تقل قسوة: صورة الرجل القادر على العمل والإعالة وإثبات الذات. وعندما يعجز عن تحقيقها، يصبح الفشل الاقتصادي فشلا في نظر نفسه وفي نظر محيطه أيضا. هكذا تتداخل البطالة مع أزمة الرجولة، وتتحول الضغوط الاجتماعية إلى توترات داخل الأسرة.

حتى حضور المقدس في الرواية يأتي ضمن هذا السياق. النقد لا يبدو موجها إلى الإيمان في ذاته، بقدر ما يطال بعض الممارسات التي يمكن أن تتحول فيها العادة إلى سلطة، والموروث إلى وسيلة لمراقبة الآخرين. بذلك يصبح السؤال الديني جزءا من مساءلة أوسع لعلاقة الإنسان بما ورثه وبما يختاره لنفسه.

جيل عالق بين الانتظار والانكسار

رغم قتامة الرواية، لا تغلق خولة بن ساسي كل النوافذ. فالذاكرة تظهر كعنصر أساسي في مواجهة الخراب. في فصل «بثينة»، تستعيد الرواية لحظات من الماضي، لا باعتبارها مجرد حنين، بل باعتبارها دليلا على أن المدينة لم تكن دائما مكانا للفقدان.

تصبح التفاصيل الصغيرة، مثل رائحة الخبز أو لحظات القرب العائلي، وسيلة لاستعادة الجانب الإنساني الذي تهدده القسوة اليومية. الذاكرة هنا ليست هروبا من الواقع، وإنما محاولة لاستعادة ما كان يمكن أن تكون عليه الحياة قبل أن يثقلها الفشل والانتظار.

وهذا الجانب مهم في البناء الروائي، لأنه يمنع «العاطلون» من التحول إلى رواية أحادية النبرة عن البؤس. وسط الخراب، تبقى هناك ذاكرة للحياة. ووسط الانكسار، تظل التفاصيل الصغيرة قادرة على إعادة الإنسان إلى نفسه.

على المستوى الفني، تعتمد خولة بن ساسي أسلوبا مباشرا ومكثفا. لغتها لا تميل إلى الزخرفة من أجل الزخرفة، بل تقوم على بناء مشاهد وشخصيات تحمل أثقالها النفسية. الكتابة تقترب من التشريح الاجتماعي، لكنها تحافظ على بعدها الأدبي لأنها تنطلق دائما من الإنسان وليس من الفكرة المجردة.

ويخدم المكان هذا الأسلوب بصورة واضحة. «المسرة» ليست مجرد مسرح للأحداث، بل عدسة ترى الشخصيات من خلالها نفسها والعالم. حتى الزمن يصبح جزءا من الأزمة؛ فحين تتكرر الأيام بالوتيرة نفسها، يصبح التكرار دليلا على العجز عن التقدم.

بهذا المعنى، تتجاوز «العاطلون» موضوع البطالة لتصبح رواية عن أزمة الاعتراف، وعن الإنسان الذي يبحث عن مكان له داخل مجتمع سريع التحول. العاطل في الرواية ليس بالضرورة من لا يعمل فقط، وإنما من لا يجد موقعا يشعر فيه بأنه ضروري، أو صوتا يصدقه، أو مستقبلا يستطيع أن يتخيله.

وهذه إحدى نقاط قوة العمل: تحويل قضية اجتماعية معروفة إلى سؤال إنساني. البطالة تبدأ من الاقتصاد، لكنها لا تنتهي عنده. تمتد إلى الكرامة، والعلاقات، والصورة الذاتية، والحب، والأسرة، وحتى القدرة على تخيل المستقبل.

لا تقدم الرواية حلولا جاهزة، لكنها تضع أمام القارئ واقعا يحتاج إلى مواجهة. إنها قراءة في آثار التهميش عندما يتحول من وضع اجتماعي إلى جرح نفسي، وعندما يصبح الانتظار طويلا إلى درجة يفقد معها الإنسان الإحساس بأن هناك حياة أخرى ممكنة.

في «العاطلون»، لا تموت الأحلام دفعة واحدة. تتراجع ببطء، تتآكل تحت ضغط الأيام، ثم تتحول إلى جنائز مؤجلة. وربما هنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة في رواية خولة بن ساسي: أن الإنسان قد يظل حيا، يمشي ويتكلم وينتظر، بينما تكون أجزاء أساسية من حياته قد توقفت منذ زمن.

ظهرت المقالة «العاطلون» لخولة بن ساسي : تشريح مدينة الجنائز المؤجلة أولاً على أنباء تونس.

العاطلون لخولة بن ساسي تشريح مدينة الجنائز المؤجلة



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


أنباء تونس العاطلون لخولة بن ساسي تشريح مدينة الجنائز المؤجلة

كانت هذه تفاصيل «العاطلون» لخولة بن ساسي : تشريح مدينة الجنائز المؤجلة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم