اليكم الان هل تفاجأتم؟ والان إلى التفاصيل من المصدر ترك برس
طه كلنچ - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
في الأسبوع الماضي، توفي عن عمر 84 عاماً أحد أكثر الأسماء وحشية وهمجية التي عرفها التاريخ الحديث، وهو الجنرال الصربي راتكو ملاديتش، الذي أصدر بنفسه أوامر قتل آلاف الأشخاص خلال حرب البوسنة. وبعد الحرب، ظل ملاديتش مختبئاً لنحو 16 عاماً، وعلى الرغم من الأكاذيب الكلاسيكية التي كانت ترددها الإدارة الصربية حول أن «مكانه لم يُعثر عليه قط»، فقد أُلقي القبض عليه عام 2011 وأُرسل إلى لاهاي لمحاكمته. وفي عام 2017، حُكم عليه بالسجن المؤبد، وقضى ملاديتش أنفاسه الأخيرة في السجن. ليتّه كان قد قُتل، خلال فترة اختبائه، على يد أحد أقارب ضحاياه الذين أزهق أرواحهم. فعلى الأقل، قبل أن يذهب ليتلقى عقوبته الأبدية، كانت قلوبنا ستبرد قليلاً.
ومن بين الجرائم العديدة ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبها راتكو ملاديتش، كانت أشهرها إبادة سربرنيتسا، التي قُتل فيها أكثر من 8 آلاف مسلم بوسني في صيف عام 1995. وكما يعلم الذين يتابعون القضية، فإن إبادة سربرنيتسا وقعت بتغاضٍ من جنود «قوات حفظ السلام» الهولندية التابعة للأمم المتحدة. ولأن دماء المسلمين -للأسف- اعتُبرت بلا قيمة، وسُفكت بسهولة، لم تتمكن هولندا، وبعد الكثير من المماطلة، من تقديم اعتذار رسمي خجول إلا في عام 2022. وإذا لم يكن هذا السياق كافياً، فإن محاكمة ملاديتش في لاهاي، الواقعة أيضاً داخل الحدود الهولندية، ثم إطعامه ورعايته هناك حتى وفاته، يحملان الكثير من المؤشرات على كيفية عمل النظام الدولي المتمركز حول أوروبا. بل إن هناك من ينسى تماماً ما حلّ بالبوشناق ومن التزموا الصمت حيال الإبادة الجماعية، ثم يخرج ليمتدح «أوروبا التي أمكن فيها محاكمة ملاديتش، والتي تتمتع بمعايير عالية للعدالة». حقاً، ما أقسى هذا القدر من فقدان الذاكرة.
وبالحديث عن الذاكرة… بعد الإعلان عن وفاة راتكو ملاديتش أمام الرأي العام العالمي، كشفت أيضاً مشاهد «النواح» القادمة من صربيا والبوسنة والهرسك عن شكل آخر من أشكال الذاكرة أمام أعيننا. إنها انعكاس لمنطق كان يهاجم أقرب جيرانه إليه أثناء الحرب، ويقتله، بل ويتمكن من اغتصاب زوجته وابنته. منطق يحتضن المجرمين والهمجيين، ويكره الإسلام والمسلمين بشكل خاص، ويصبّ حقده وكراهيته التي بداخله إلى الخارج كلما سنحت له الفرصة… لقد أعادت وفاة ملاديتش، بكل وضوحها وجرأتها، تذكيرنا مجدداً بوجود خط الصدع الحي هذا في البلقان. وكان هذا أمراً يعرفه أصلاً أولئك الذين يعيشون في داخله ويشعرون به بصورة ملموسة. ومنذ الأسبوع الماضي، رأى الناس من الخارج ذلك بأعينهم أيضاً، وهكذا أتيحت لهم فرصة لتصوّر، ولو قليلاً، معنى أن يتنفس المرء الهواء نفسه الذي يتنفسه القتلة.
ذات مرة، وأثناء حديثي مع صديق لي يعرف المنطقة جيداً عن التوازنات العرقية والسياسية والدينية الهشة في البلقان، شدد على النقطة التالية: «المسلمون ينسون بسرعة كبيرة ما يُفعل بهم. هناك درجة من التسامح تصل إلى حد تمزيق الشعر من شدة الغيظ. حسناً، دعونا لا نغرق في الحقد، وليكن تركيزنا منصباً على السلام... لكن كل هذا النسيان والتسامح يعادل الانتحار أيضاً. ففي الوقت الذي يبني فيه الطرف الآخر لنفسه عالماً مكوّناً بالكامل من الرموز، من دون أن يغفل أي تفصيل من تفاصيل التاريخ، فإن الأرض التي يقف عليها شبابنا، على وجه الخصوص، شديدة الانزلاق. من دون قضيتكم وجذوركم، لن تتمكنوا من التمسك بهذه الأراضي». وبصراحة، كان حديثاً وافقت على كل جملة فيه.
وقبل أن أكتب المقال، عدت إلى أرشيفي الشخصي في هذه الزاوية وراجعته إلى الوراء. لقد كتبت، على فترات منتظمة، مقالات تتمحور حول فكرة: «إياكم أن نفقد ذاكرتنا. ذاكرتنا هي كل شيء بالنسبة لنا. العالم ليس مكاناً حراً وديمقراطياً وليبرالياً بالقدر الذي يروّج له البعض. ومن يفقد ذاكرته يصبح فريسة للأمم الأخرى». ومقال اليوم هو حلقة جديدة تُضاف إلى سلسلة هذه المقالات.
ولنأتِ إلى السؤال الذي طرحته في العنوان:
هل تفاجأتم بأن عشرات الآلاف من الصرب قد تمسكوا بمجرم حرب بهذا الشكل المحموم، وأنهم أقاموا المآتم والنواح عليه؟ لا تتفاجؤوا. في البلقان، الصرب الفاشيون؛ وفي الشرق الأوسط، اليهود الصهاينة؛ وفي آسيا، الهندوس المعادون للإسلام… رغم اختلاف الجغرافيا والأديان، فإنهم جميعاً يلتقون عند الخط نفسه. إن ذاكرتهم، في إطار الأيديولوجية التي يتبعونها، قوية للغاية. وما لم يبنِ المسلمون ذاكرتهم الخاصة على أساس العدل وبوعي لا يقل عن وعي هؤلاء، فلن تنقص «البشر» الذين ينوحون وراء قتلة أعداء للإنسانية.
هل تفاجأتم
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
ترك برس هل تفاجأتم
كانت هذه تفاصيل هل تفاجأتم؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على ترك برس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

