اليكم الان المواطنة… قبل السردية والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24
في كل مرة تضيق فيها المسافة بين الدولة والمجتمع، ويزداد القلق على المستقبل، يظهر الحديث عن «السردية الوطنية» وكأن المشكلة تكمن في أننا لم ننجح بعد في صياغة الحكاية التي تجمع الأردنيين.
لكن الأوطان لا تُبنى بالحكايات وحدها، ولا تستعيد ثقة مواطنيها بتغيير المفردات. السردية قد تشرح الوطن، لكنها لا تستطيع أن تحل محل العدالة، والكفاءة، وسيادة القانون، والمشاركة، والمساءلة،والمواطنة الصالحة .
وربما نحن بحاجة، قبل البحث عن سردية أردنية جديدة، إلى سؤال أكثر جوهرية: ماذا تعني المواطنة الأردنية؟
المواطنة ليست صفة على الهوية
المواطنة ليست مجرد جنسية يحملها الإنسان، ولا شعاراً يردده في المناسبات، ولا امتحاناً في مقدار الولاء للأشخاص.
المواطنة، في جوهرها، علاقة متبادلة بين الفرد والدولة: يلتزم المواطن بالقانون، ويدفع ما عليه، ويحترم حقوق الآخرين، ويسهم في حماية المجتمع ومصالحه؛ وفي المقابل تلتزم الدولة بحماية حقوقه، وصون كرامته، وتحقيق العدالة وتكافؤ الفرص، وحسن إدارة الموارد العامة، وحمايته من الظلم والفساد والتعسف.
وحين يختل أحد طرفي هذه المعادلة، تختل المواطنة نفسها.
المسؤول… مؤتمن وليس مالكاً للسلطة
من أهم ما نحتاج إلى ترسيخه أن المنصب العام ليس امتيازاً شخصياً، بل أمانة مؤقتة وتكليفاً لخدمة الناس.
فالوزير والنائب والمدير ورئيس المؤسسة العامة، وكل من يتولى موقعاً عاماً، ليس وصياً على المواطن، وإنما مؤتمن على جزء من مصالحه.
لذلك فإن مسؤولية المسؤول لا تبدأ بإصدار القرار، بل تشمل تبريره وتفسيره، وقياس أثره، والاستماع إلى ملاحظات الناس، والاستعداد لتحمل مسؤوليته.
والمسؤول الناجح ليس من لا يخطئ؛ فهذا غير ممكن في إدارة الدول، وإنما من يعترف بالخطأ ويصححه ويتعلم منه ويقبل المساءلة عنه(كما بينت في مقال سابق).
المواطن… شريك وليس متلقياً
لكن إعادة تعريف المواطنة لا تعني إعفاء المواطن من مسؤولياته.
فلا يمكن أن نطالب الدولة بالشفافية ونحن نمارس التضليل، أو بالقانون ونحن نبحث عن الاستثناء لأنفسنا، أو بمكافحة الواسطة بينما نلجأ إليها عندما تخدم مصالحنا، أو نحاسب المسؤول على المال العام ثم نتعامل مع الممتلكات العامة وكأنها بلا صاحب.
المواطن الصالح ليس فقط من ينتقد الحكومة، بل من يحترم القانون، ويؤدي واجباته، ويحافظ على المال العام، ويعمل بإتقان، ويرفض الفساد والواسطة، ويحترم المختلف معه، ويشارك في الشأن العام بوعي ومسؤولية.
فالمواطنة ليست حقاً في السؤال فقط وطريقا بإتجاه واحد؛ إنها أيضاً واجب في الإجابة وطريق باتجاهين.
الولاء للدولة لا للأشخاص
من أخطر الالتباسات الخلط بين الدولة والحكومة، وبين الوطن والمسؤول، وبين الولاء والنقد.
الحكومات تتغير، والمسؤولون يتعاقبون، والسياسات تُراجع، أما الدولة فتبقى.
لذلك فإن نقد قرار حكومي ليس عداءً للوطن، ومساءلة المسؤول ليست خروجاً على الدولة، والاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى تهمة في الوطنية.
الدولة القوية هي التي تسمح بالنقد المسؤول، وتستفيد منه، وتصحح أخطاءها دون أن ترى في كل سؤال تهديداً.
وفي المقابل، فإن حرية التعبير لا تعني الفوضى، والمساءلة لا تعني التشهير، والمعارضة لا تعني هدم مؤسسات الدولة.
هنا تتوازن المواطنة: سلطة مسؤولة ومواطن مسؤول.
سيادة القانون… نقطة البداية
لا يمكن بناء مواطنة راسخة إذا شعر المواطن أن القانون صارم مع الضعيف ومرن مع القوي، أو أن الفرص توزع وفق القرب والولاء للأشخاص لا وفق الكفاءة.
المساواة أمام القانون ليست تفصيلاً قانونياً؛ إنها أحد أهم مصادر الثقة بالدولة.
وحين يعرف المواطن أن حقه لا يحتاج إلى واسطة، وأن الوظيفة العامة لا تحتاج إلى محسوبية، وأن المال العام له حرمة، وأن المسؤول يُحاسب وفق القانون، يتحول الانتماء من شعار إلى تجربة يومية.
الدولة لا تحتاج مواطناً مطيعاً
الدولة لا تحتاج إلى مواطن يصفق لكل قرار، كما أنها لا تحتاج إلى مواطن يرفض كل قرار.
هي تحتاج إلى مواطن يفهم ويسأل ويناقش ويختلف، ويلتزم عندما يصدر القرار وفق القانون، ويحاسب عندما يرى خللاً، ويقترح بديلاً عندما يعترض.
وبالمثل، لا تحتاج الدولة إلى مسؤول يخشى اتخاذ القرار حتى لا يخطئ، ولا إلى مسؤول يعتقد أن موقعه يمنحه حصانة من النقد؛ وإنما تحتاج إلى مسؤول شجاع في القرار، شفاف في التفسير، عادل في التطبيق، ومتواضع أمام المساءلة.
السردية تأتي في النهاية
لهذا فإن معركتنا الحقيقية قد لا تكون مع غياب «السردية الأردنية»، بقدر ما هي مع الحاجة إلى تجديد ممارسة المواطنة نفسها.
فالسردية الوطنية لا تُكتب في مكاتب العلاقات العامة فقط ولا بالمهرجانات الخطابية ؛ إنها تُكتب في المدرسة، والمستشفى، والجامعة، ومكان العمل، والشارع، والسوق، وصندوق الاقتراع، وفي الطريقة التي يُعامل بها المواطن، وفي الطريقة التي يتصرف بها المواطن.
إذا شعر الأردني أن كرامته مصونة، وأن القانون عادل، وأن الفرصة لا تتوقف على الواسطة، وأن المال العام يُدار بمسؤولية، وأن صوته مسموع، وأن المسؤول يمكن مساءلته، فسوف تنشأ لديه سردية وطنية أقوى من أي خطاب.
نحن لا نحتاج أن نعلّم الأردني كيف يحب وطنه؛ فقد أثبت الأردنيون حبهم لوطنهم في أصعب الظروف. ما نحتاجه هو أن نعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس واضح: حقوق تقابلها واجبات، سلطة تقابلها مسؤولية، حرية تقابلها مسؤولية، وثقة تقابلها شفافية.
وعندها لن نحتاج إلى اختراع سردية وطنية من فوق.
فحين تصبح المواطنة ممارسة يومية، ستكتب الدولة والمجتمع سرديتهما بأفعالهما… لا بخطاباتهما.
اللواء المتقاعد د.موسى العجلوني
.
المواطنة قبل السردية
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
جو 24 المواطنة قبل السردية
كانت هذه تفاصيل المواطنة… قبل السردية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

