اخبار محلية «قبو الحفصية» لمحمد أمين بن هلال : جسدٌ يشهد، عائلةٌ تُعاقب، وذاكرةٌ تقاوم

قبو الحفصية لمحمد أمين بن هلال جسد يشهد عائلة ت عاقب وذاكرة تقاوم


اليكم الان «قبو الحفصية» لمحمد أمين بن هلال : جسدٌ يشهد، عائلةٌ تُعاقب، وذاكرةٌ تقاوم والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس

يصعب التعامل مع «قبو الحفصية» لمحمد أمين بن هلال بوصفها رواية سجون فقط. فالقبو الذي تدور داخله بعض أكثر صفحات العمل قسوة لا يبقى محصوراً بين أربعة جدران، بل يتمدد إلى الجسد والبيت والذاكرة والمجتمع. ومن خلال عبير وسعيد وغالب وهاني وغيرهم، يكتب صاحب الرواية عن الخوف والقمع وآثارهما على الإنسان، لكنه لا يحبس حكايته في زمن محدد. ما يحدث في القبو يمكن أن يكون قد حدث، أو يحدث الآن، أو يحدث في المستقبل.

جمال قتّالة

صدرت الرواية سنة 2026 عن دار سيراس للنشر في تونس، في 146 صفحة، وتتحرك بين مستويات سردية متعددة. فالقبو ليس وحده مركز الحكاية؛ ثمة المدينة وشخصياتها المهمشة، وثمة أزمة الماء التي تتحول من مسألة يومية إلى سؤال يمس الحق في الحياة. كما أن عودة شخصيات ماتت إلى الكلام وسرد حكاياتها تضيف إلى العمل بعداً غرائبياً، يجعل الموت نفسه امتداداً للذاكرة.

الجسد من ضحية إلى وثيقة

في الصفحات التي تتناول تجربة عبير، يحتل الجسد موقعاً مركزياً. لا يكتفي الكاتب بالقول إن الشخصية تعرضت للتعذيب، وإنما يتتبع الانهيار الجسدي بكل قسوته: «بدأ جسدي ينهار ونقص وزني، وظهرت على جلدي فقاعات تحت الجلد تنفجر وتخرج سائلاً أصفر مائلاً إلى الحمرة».

هذه التفاصيل تمنح السرد طابعاً شبه توثيقي. الألم لا يأتي من وصف خارجي، بل من الجسد نفسه. الجلد والجرح والعظم والرائحة والتحلل تتحول إلى أدلة على ما حدث.

وتقول عبير في لحظة أخرى: «لم أعد ألمس بشرة بل سطحاً خشناً كقشرة أناناس». لم يعد الأمر يتعلق بالألم وحده، وإنما بفقدان العلاقة مع الذات. الجسد الذي كان جزءاً من الهوية يتحول إلى شيء غريب عن صاحبته.

تصل عملية التجريد إلى ذروتها في العبارة: «أصبحت شيئاً لا ينظر إليه». كلمة «شيئاً» تكشف جانباً أساسياً من العنف: الإنسان لا يتعرض للإيذاء فحسب، بل يجري دفعه إلى الإحساس بأنه فقد صفته الإنسانية.

المفارقة أن الجسد الذي يراد له أن يصمت يصبح شاهداً. ما تعجز الضحية عن قوله بالكلمات تقوله آثارها. ومن هنا تكتسب عبارة الغلاف الخلفي دلالتها: «لأنّ الجسد آخر ما يبقى، وأوّل ما يُؤخذ».

حتى الوعي يتحول إلى معركة أخيرة: «خفت، ليس من الموت. بل من أن أظل هكذا واعية بكل شيء». الموت ليس بالضرورة أقسى ما تخشاه الشخصية؛ الأسوأ أن تبقى واعية بانهيارها.

السجن الذي يصل إلى العائلة

القمع في «قبو الحفصية» لا يتوقف عند المعتقل. آثاره تمتد إلى الأسرة، حيث تتحول الروابط العاطفية إلى وسيلة ضغط.

في قضية عبير، تبدأ الحكاية بتهمة تبدو في ظاهرها جنائية: «كيساً صغيراً قيل إنه يحتوي على مادة مخدرة». لكن سرعان ما يظهر الهدف عندما يقال لها: «نريد رسالة اعتذار من والدك لحمزة العجمي». هنا تصبح التهمة وسيلة للضغط على الأب من خلال ابنته. السجين لا يعود فرداً معزولاً، بل يصبح جسراً يصل من خلاله القمع إلى العائلة.

الأثر لا يبقى سياسياً أو أمنياً. الأم «انهارت وامتنعت عن الأكل والشرب ونُقلت إلى المستشفى»، فيما يظهر الأب بوجه شاحب وجسد نحيل «كأن الدم توقف عن الجريان فيه».

بهذا المعنى، لا يبقى القبو تحت الأرض. يمتد إلى البيت، وإلى الخوف الذي ينتقل من المعتقل إلى أفراد أسرته. وهذه إحدى القراءات اللافتة في الرواية: العقاب لا يحتاج دائماً إلى أن يشمل الجميع جسدياً؛ يكفي أن يعرف المحيط أن أقرب الناس يمكن أن يصبحوا مدخلاً إلى كسر الفرد.

سعيد وأرشيف الذين اختفوا

في الجهة الأخرى يقف سعيد، الشاهد الذي يكتشف «أرشيفاً صامتاً» لمن اختفوا ولم يتركوا سوى آثارهم. وعلى الغلاف الخلفي تأتي العبارة الحاسمة: «لا أحد يبكيهم، لا أحد غيره». لا يستطيع سعيد إعادة الموتى إلى الحياة، لكنه يستطيع أن يمنع اختفاءهم الكامل. ومن هنا تتحول الكتابة إلى فعل حفظ للذاكرة.

حتى عودة الشخصيات الميتة إلى الكلام لا تبدو مجرد حيلة سردية. تمنح هذه العودة الغائبين فرصة لرواية ما لم يعد بإمكانهم قوله في حياتهم. الموت لا يغلق الحكاية نهائياً؛ قد يصبح بداية لسرد آخر.

وفي النهاية، يأتي الصمت: «صمت وصمت سعيد. السيجارة في يده لم تُشعل بعد». صمت الشاهد هنا ليس فراغاً. يحمل العجز والارتباك وثقل ما رأى. الكتابة لا تستطيع محو الجريمة، لكنها تستطيع مقاومة تحولها إلى نسيان.

جمال قتّالة و محمد أمين بن هلال في معرض تونس للكتاب 2026.

الماء والهامش وشبكات النفوذ

لا يعيش «قبو الحفصية» داخل عالم السجن وحده. أزمة الماء تدخل في نسيج الرواية وتخرج بالسرد من التجربة الفردية إلى سؤال جماعي يتعلق بحق أساسي في الحياة.

ومن خلال شخصيات مهمشة، يقترب محمد أمين بن هلال من صراعات ترتبط بالنفوذ والمصالح وبالذين يجدون أنفسهم في الهامش. لكن الرواية لا تقدم شخصياتها باعتبارها نماذج جاهزة. لكل شخصية تاريخها وكسورها ورغباتها وخياراتها.

وتلخص إحدى العبارات هذا الصراع بين المظهر والحقيقة: «ما يجعلنا متخلفين يا سعيد هو الاهتمام بالصورة التي يجب علينا أن نعكسها، القشرة وليس اللب». عبارة تنسجم مع بنية العمل نفسها: مدينة فوق الأرض، وقبو تحتها، وحكايات ظاهرة وأخرى مخفية.

زمن مفتوح ورواية متعددة الوجوه

من المهم ألا تُقرأ «قبو الحفصية» باعتبارها رواية عن حقبة تاريخية محددة. الكاتب تعمد ترك الزمن مفتوحاً. ما يحدث في القبو لا يحمل تاريخاً مغلقاً، ولذلك يمكن أن يكون قد وقع في الماضي، أو يقع في الحاضر، أو يتكرر في المستقبل.

هذا الاختيار يمنح الرواية بعداً يتجاوز التوثيق المباشر. القمع، والخوف، والتعذيب، وابتزاز العائلة، والصمت ليست عناصر مرتبطة آلياً بزمن واحد.

وفي الوقت نفسه، لا تستنفد الرواية في قراءة واحدة. محمد أمين بن هلال يرى أن الأعمال الفنية «فيها طبقات ولا عدة أوجه، وكل متلقّي يشد وجه من الوجوه أو أكثر». لذلك يمكن قراءة «قبو الحفصية» من مداخل مختلفة: السجن، والهامش، والماء، والعائلة، والحب، والانتقام، والذاكرة، والخوف.

قد يجد قارئ في عودة الموتى إلى الكلام مدخلاً إلى سؤال الغياب، بينما يتوقف آخر عند الشخصيات وعلاقاتها أو عند المدينة وما تخفيه خلف صورتها الظاهرة.

أما القراءة التي يتيحها مسار عبير وسعيد تحديداً، فتلتقي عند ثلاث نقاط: الجسد يحتفظ بالأثر، العائلة تتحمل امتداد العقاب، والشاهد يحاول أن يمنع الغياب من التحول إلى نسيان.

في النهاية، لا يبقى القبو مجرد مكان مغلق. يمتد إلى الجسد والبيت والذاكرة والمدينة. الشخصيات التي تدخل عالمه لا تخرج منه كما دخلت، وحتى الذين يبقون خارجه يحملون نصيبهم من الخوف والأثر.

قوة «قبو الحفصية» أنها لا تغلق أبوابها على تأويل واحد، ولا تربط حكايتها بزمن انتهى. تترك أمام القارئ أكثر من صوت وأكثر من طبقة. ومن هنا تأتي دلالة الكتاب: الذين اختفوا قد يغيبون عن العالم، لكن آثارهم تظل قابلة لأن تُروى.

«قبو الحفصية» ليست رواية عن السجن فقط؛ إنها رواية عن أثر العنف عندما ينتقل من الجسد إلى البيت، ومن البيت إلى المجتمع، وعن الذاكرة عندما تصبح آخر ما يملكه الذين اختفوا. وفي مواجهة هذا كله، تأتي الكتابة باعتبارها شكلاً من أشكال الشهادة ومقاومة النسيان.

ظهرت المقالة «قبو الحفصية» لمحمد أمين بن هلال : جسدٌ يشهد، عائلةٌ تُعاقب، وذاكرةٌ تقاوم أولاً على أنباء تونس.

قبو الحفصية لمحمد أمين بن هلال جسد يشهد عائلة ت عاقب وذاكرة تقاوم



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


أنباء تونس قبو الحفصية لمحمد أمين بن هلال جسد يشهد عائلة

كانت هذه تفاصيل «قبو الحفصية» لمحمد أمين بن هلال : جسدٌ يشهد، عائلةٌ تُعاقب، وذاكرةٌ تقاوم نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم