اخبار عربية مدير الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ إنزال الناس منازلهم ( تأصيل شرعي وفقه واقعي)

مدير الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ إنزال الناس منازلهم تأصيل شرعي وفقه واقعي


اليكم الان مدير الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ إنزال الناس منازلهم ( تأصيل شرعي وفقه واقعي) والان إلى التفاصيل من المصدر جريده المساء

كتب – عبدالقادرالشوادفى

يقول الدكتور عبدالقادر سليم مدير عام الدعوه السابق بمديريه أوقاف كفرالشيخ ،الحمد لله الذي رفع قدر أهل العلم والفضل، وجعل التوقير والاحترام سمة عباده الصالحين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، إمام المربين وقائد الغُر المحجلين، الذي علمنا الحكمة والعدل في إعطاء كل ذي حق حقه، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛ فإننا نقف

اليوم أمام ثغرة من أخطر الثغرات الأخلاقية التي يمر بها واقعنا المعاصر؛ ثغرة لو انفتحت لتهدمت الأوطان، ولتمزقت المجتمعات، وضاعت الهيبة. إنها قضية الأمة المحورية التي نلتقي حولها اليوم، قضية إنزال الناس منازلهم واحترام الرموز، والتي لا تمثل مجرد نافلة من نوافل الأخلاق، بل هي صمام الأمان الفكري والاجتماعي، وقاعدة شرعية صلبة أصلها الكتاب، وفصلتها السنة، وجسدتها السيرة النبوية، ويفرضها فقه الواقع المعاصر كطوق نجاة يحمي سفينتنا من أمواج الفوضى والسيولة الفكرية، ويصنع الحضارة ويبني الانسان..

وفيما يلي الحديث عن موضوع إنزال الناس منازلهم من خلال المحاور الستة التالية:

*المحور الأول: حفظ الكرامة العامة والمساواة الإنسانية.. فقد بنى الإسلام حضارته الأخلاقية والتشريعية على أساس متين يجمع بين المساواة المطلقة في القيمة الإنسانية وحفظ كرامة الجميع دون التفات إلى دين، أو لون، أو عرق، أو جنس..وقبل أن يتناول المنهج الإسلامي مراتب الناس وتفاوت مقاماتهم في المسؤولية، وضع الأرضية الصلبة التي يقف عليها بني البشر جميعاً على حد سواء؛ إذ أعلن الحق سبحانه تشريفاً عاماً لكل بني آدم فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]..فلم يقل سبحانه كرمنا جنساً دون جنس، بل أعلن التكريم للبشر جميعا، محطماً كل أصنام الطبقية المقيتة في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13].

وتتسع هذه الكرامة العامة لتشمل صيانة الدماء والأعراض والحقوق والتعايش السلمي، فلا يُظلم ضعيف لضعفه، ولا يُحابى قوي لقوته.. وتتجلى عظمة هذه الإنسانية المشاعة في مشهد نبوي خالد يهز الوجدان؛ حين مروا بجنازة على رسول الله ﷺ فقام لها، فقيل له إنها جنازة يهودي، فقال مؤصلاً لعظمة النفس البشرية: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟» [متفق عليه].

وهو المبدأ الشامل الذي رسخه النبي ﷺ في الألوف الحاشدة يوم حجة الوداع ليكون ميثاقاً عالمياً أبدياً قائلاً: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ لِلعَرَبِيِّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى» [رواه أحمد].. وبذلك يرتفع البناء الأخلاقي؛ فالمساواة في أصل الكرامة لا تنفي التمايز في مقامات الفضل والعطاء والمسؤولية، ليكون التفاضل بناءً للوطن لا كبراً على البسطاء .

 

*المحور الثاني: السند الشرعي من القرآن الكريم ..حين استقرت الكرامة العامة كقاعدة انطلاق، جاء القرآن الكريم لترتيب مراتب العطاء والعلم في المجتمع، نافياً المساواة بين من يبني ويعلم ومن يهدم ويجهل في تساؤل إنكاري يوقظ العقول حيث قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].

وزيادة في التأصيل رفع القرآن من شأن الذين أسسوا وبنوا وضاعفوا العطاء وقت الأزمات والشدائد، مؤكداً عدم مساواتهم بمن جاء بعد الرخاء؛ وذلك في قوله جل وعلا: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَّ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الحديد: 10]؛ ففي هذه الآية دلالة قرآنيّة قاطعة على إنزال أولي الفضل والسبق منازلهم اللائقة بجهادهم وبذلهم وتضحياتهم التاريخية..كما قرر الحق سبحانه وتعالى ضرورة إفساح المكان لأصحاب الولاية الشرعية الموثوقة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: 55].

كما دعا القرآن الكريم إلى طاعة أهل المسؤولية، والرموز السياسية، وقادة الدول، صيانة للنظام العام وتماسك الأوطان، وذلك في قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59].

بل إن القرآن العظيم أدب المجتمعات على رعاية أدب الخطاب ونداء القائد والرمز إعظاماً لقدر القيادة، فقال تعالى: ﴿لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا﴾ [النور: 63]؛ حيث نهى الله عز وجل عن إسقاط هيبة المقامات القيادية في الأمة، وهي إشارة واضحة لضرورة مخاطبة الرموز وقادة النظم بما يليق بمكانتهم السامية وتجنب مبتذل القول في حقهم.

 

*المحور الثالث: السند الشرعي من السنة النبوية المطهرة..

فقد جاءت السنة النبوية المطهرة بالصياغات الشريفة والأوامر الصارمة والتطبيقات العملية التي تؤصل لهذا الأدب القرآني الرفيع؛ فها هي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تعلنها قاعدة عامة وتقول: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نُنْزِلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ» [رواه أبو داود]..وجعل النبي ﷺ توقير الأكابر والقادة دليلاً مباشراً على تعظيم الخالق، فقال: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» [رواه أبو داود]؛ فانظروا كيف يرسخ الهدي النبوي احترام الشيبة والكبير والرمز القيادي الذي يدبر شؤون العباد بالعدل.

وعمق النبي ﷺ ميزان توقير أهل العلم والفضل حين حدد أولويات التقديم في الإمامة والمجالس فقال: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ» [رواه مسلم].. ونهى عن تجاوز المقامات في مجالس الحديث حينما أراد أحد الصحابة الكلام بحضور من هو أسنّ منه فقال له زاجراً وموجهاً: «كَبِّرْ كَبِّرْ»، أي قَدِّم الأكبر سناً رعاية لتقدمه في العمر والفضل.

وتأكيداً لإنزال أهل الفضل مقاماتهم الرفيعة التي لا تُدانى نظير بلائهم الأول وتضحياتهم الكبرى، برز مشهد نبوي عظيم في قصة حاطب بن أبي بلتعة، حينما أراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه معاقبته، فكف النبي ﷺ يده وذكّره بمقام حاطب وسابقته التاريخية في الدفاع عن حوزة الإسلام قائلًا: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»

[متفق عليه]؛ وفي هذا ميزان نبوي بليغ في حفظ أقدار الرموز وأهل السابقة وعدم إهدار مقاماتهم عند الهنات العارضة. . كما وجه ﷺ أمته إلى وجوب إظهار الحفاوة والتقدير للوجهاء في أقوامهم فقال: «إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ» [رواه ابن ماجه].. ولم تقف السيرة الشريفة عند حدود القول، بل تحولت إلى صور حية نابضة بالوفاء؛ فتجلت أولى هذه الصور في فتح مكة، حين دخل أبو بكر الصديق رضي الله عنه بوالده أبي قحافة شيخاً كبيراً أعمى ليُسلم، فيتحرك قلب النبي ﷺ رحمة وتوقيراً لكبر سنه والشيخوخة، ويقول معاتباً الصديق بأدب جم يفيض بإجلال الكبار: «هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيَهُ فِيهِ؟» [رواه أحمد].

ولم يكن التقدير قاصراً على رعاية السن، بل شمل تقديم أهل القرآن حتى في قلب الجراح والدماء؛ ففي غزوة أحد كان يجمع بين الشهيدين في قبر واحد ويقول متسائلاً: «أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ» [رواه البخاري].

وصيانة للمكانة الاجتماعية ومنعاً للفتن، تجلت صور الحفاوة بسادات الأقوام ورموزهم؛ ففي فتح مكة أعلن ﷺ صيانةً لمكانة زعيم قريش وتأليفاً لقلبه: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ» [رواه مسلم].

وكما أظهر ﷺ الاجلال لأوائل الصحابة كنهيه عن أذيتهم بقوله: «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي صَاحِبِي؟» [رواه البخاري.

كما كان يرسخ لاحترام الرموز القيادية للوفود والدول؛ فحين قدم سعد بن معاذ رضي الله عنه ليحكم في بني قريظة وهو سيد الأوس وقائدهم، التفت النبي ﷺ إلى الصحابة الحاضرين وقال آمراً وموجهاً لإبراز مكانته: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»

[متفق عليه].

وامتد هذا التوقير ليشمل آل البيت الأطهار؛ فكان إذا دخلت عليه ابنته فاطمة رضي الله عنها قام إليها، فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه الشريف [متفق عليه].. وتتوج هذه الصور العملية بالنموذج الدبلوماسي الراقي في مكاتبة الملوك والقادة؛ ففي قصة كتاب النبي ﷺ إلى هِرقْل طاغية الروم، بدأ النبي رسالته قائلًا: «مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ» [رواه البخاري]؛ فلم يمنع كفر هرقْل وخلافه العقدي والدولي من أن يُنزله النبي ﷺ منزعَه السياسي اللائق بلقب السيادة، فخاطبه بـ «عظيم الروم» اعترافاً بمرتبته القيادية، مما يؤكد أن هذا الخلق ميزان حكمة وعلاقات دولية مستقرة.

* المحور الرابع: إنزال الناس منازلهم في القرون الأولى.. لقد سار الجيل الفريد الصحابة والتابعين رضي الله عنهم على هذا النهج النبوي، فكانوا منارات متدفقة في توقير أهل الفضل والقيادة وإنزالهم منازلهم، وجعلوا ذلك جزءًا من ديانتهم وعقيدتهم الراسخة متمسكين بأي القرآن الكريم وسنة النبي العظيم في ذلك.

وتتجلى أبهى صور هذا الميزان في موقف تاريخي جليل أخرجه الإمام البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، يوضح كيف كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُقَدّم أهل العلم ويدنيهم في مجالس الحكم بغض النظر عن حداثة سنهم؛ حيث كان عمر يُدخل ابن عباس (وهو شاب في مقتبل العمر) مع كبار الصحابة الأجلاء في مجلس الشورى لمكانته العلمية وفقهه، فكأن بعض الصحابة وجدوا في أنفسهم شيئاً من ذلك وقالوا لعمر: “لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الْفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟”، فأراد عمر أن يُبين لهم منزلة هذا الشاب عملياً، فجمعهم يوماً وسألهم عن تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، فقال بعضهم: أُمِرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نُصرنا وفُتح علينا، وسكت بعضهم الآخر، فالتفت عمر إلى ابن عباس وسأله، فقال ابن عباس بكل فقه وأدب: “ليس كذلك، بل هو نعيُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأجله الذي أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ”، فالتفت عمر إلى الصحابة مُصدقاً ومقراً بفضله ومنزلته الرفيعة قائلًا: “مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ”، في تطبيق بليغ لإنزال أهل الفضل والسبق العلمي مقاماتهم اللائقة، وتقديم الكفاءة على مجرد الاعتبار العمري.

وترسخ هذا الأدب الرفيع بتبادل التوقير؛ فحين صلى زيد بن ثابت رضي الله عنه على جنازة، ثم قُربت له بغلته ليركبها، فجاء ابن عباس رضي الله عنهما فأخذ بركابه توقيراً له، فقال زيد مستنكراً: “تَنَحَّ يا ابن عم رسول الله ﷺ”، فأجابه ابن عباس بلسان الطالب المؤدب: «هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا»، فقبل زيد بن ثابت يد ابن عباس وقال رداً للفضل بفضل أكبر: «هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا» [رواه الحاكم].

ومع هذا التدفق، نرى كيف امتد تقدير أهل القيادة والرموز الحاكمة صيانة للسلم الاجتماعي؛ حيث يروي أصحاب السير في طبقات ابن سعد أن الإمام التابعي الجليل الحسن البصري دخل يوماً على أحد أمراء وقادة بني أمية وهو عمر بن هبيرة، فجلس الأمير وأجلس الحسن بجانبه وأخذ يشاوره في معضلات الحكم وسياسة العباد، فلما أراد الحسن الخروج، قام الأمير لتوديعه بنفسه وأخذ بركابه دليلاً على إجلال القيادة السياسية لأهل الفضل [رواه ابن سعد].. وبالمقابل، كان الحسن البصري ينهى عامة الناس صراحة عن سب القادة والتشغيب على النظم الحاكمة لضمان استقرار الدول ويقول لجموع الناس: «والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قِبل سلطانهم صبروا ودعوا، ما لبثوا أن يرفع الله ذلك عنهم، ولكنهم يفرعون إلى السيف فيُوكَلون إليه، والله ما جاءوا بيوم خير قط، إن سلطانكم هذا صمام أمان عيشكم فاحفظوا هيبته».

ويظهر هذا الفقه الرفيع جلياً في مشهد تاريخي مأثور يوضح كيف يُنزل الرجال رموز الأمة مقاماتهم العالية حتى في أوقات الخلاف؛ حيث يُروى أن ضرار بن ضمرة دخل على الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فقال له معاوية: “صِف لي علياً”، فلما أخذ ضرار يصف علياً بن أبي طالب رضي الله عنه بكلمات تقطر إجلالاً، واصفاً علمه الغزير وزهده وحكمته الدينية والسياسية، بكى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وقال بلسان القائد المنصف المُنزل للرجال منازلهم: «رحم الله أبا الحسن، كان والله كذلك! فكيف حزنك عليه يا ضرار؟» قال: “حزن من ذُبح ولدها في حجرها”، فلم يمنع الخلاف السياسي بين الزعماء من إقرار معاوية بفضل قادة الأمة ورموزها الراحلين وتوثيق مقاماتهم الرفيعة. وعلى هذا الصراط السوي، تضافرت عبارات أئمة المسلمين؛ فكان الإمام الشافعي رحمه الله يقول: «لا يَكْمُلُ الرَّجُلُ فِي الدُّنْيَا إِلَّا بِأَرْبَعٍ: الدِّينِ، وَالْمُرُوءَةِ, وَالصِّيَانَةِ، وَتَوْقِيرِ أَهْلِ الْفَضْلِ». وكان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يرسخ هذا الخلق عملاً لا قولاً فحسب، فبينما كان هو إماماً للمسلمين كان يقبل يد العالم الجليل أبي عبيد القاسم بن سلام تبياناً لقدر علمه وفضله الكبير..ولأجل صيانة هذه المنازل وحمايتها، أفرد الإمام النووي رحمه الله في كتابه الحافل “رياض الصالحين” باباً كاملاً أسماه: (باب توقير العلماء والكبار وأهل الفضل وتقديمهم على غيرهم ورفع مجالسهم وإظهار مرتبتهم).

وبكل ما تقدّم من مواقفَ فريدةٍ وتبادلٍ راقٍ للأدب والتوقير، يظهر لنا بوضوح كيف تفرّد وتميّز جيل خير القرون قرني ثم الذين يلونهم في تطبيق مبدأ إنزال الناس منازلهم وحفظ مكانة الرموز وأهل الفضل والأكابر .

*المحور الخامس: فوائد إنزال الناس منازلهم..

وإن المتأمل لثمار هذا الخلق العظيم، يجد أنه يعود على الفرد والأمة بفيض من الخيرات والفوائد التي تنقسم بين عاجل ملموس في الدنيا، وآجل مسطور في الآخرة، وتفصيلها كالتالي:

أولاً : الفوائد الدنيوية لإنزال الناس منازلهم:

1- استقرار الأوطان وحفظ السلم الاجتماعي:

إن صيانة مراتب أهل الفضل يورث المجتمع طمأنينة الاستقرار العام، للحديث الشريف الذي أخرجه الإمام أحمد وصححه الحاكم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «السُّلْطَانُ ظِلُّ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ» [رواه أحمد]؛ وفي حماية هذا الظل صيانة للحياة العامة من فوضى الانفلات والشتات الاجتماعي.

2- ترسيخ القدوة الحسنة للناشئة وعناية الأكابر بالبسطاء:

إن تنزيل الكبار شيوخاً وعلماء منازلهم يورث المجتمع رحمة متبادلة، تمنع تفكك النسيج الفكري والتربوي للبلاد، وهو المعنى الدقيق الوارد فيما أخرجه الإمام الترمذي في سننه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ» [رواه الترمذي]؛ فالتوقير هنا بناء متبادل واستثمار دنيوي للأمان الأخلاقي.

3- قضاء حوائج المستضعفين بجاه أصحاب المقامات:

إن توجيه نفوذ الوجهاء وأصحاب المقامات في الشفاعة والوساطة الحسنة يضمن دنيوياً سد حاجات الفقراء بيسر وتكريم؛ مصداقاً للحديث الشريف الذي أخرجه الإمام أبو داود في سننه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا إِذَا قَالَتْ صَدَقَتْ، وَإِذَا حَكَمَتْ عَدَلَتْ، وَإِذَا اسْتُرْحِمَتْ رَحِمَتْ» [رواه أبو داود].

*ثانياً: الفوائد الأخروية لإنزال الناس منازلهم:

1- حيازة الانتماء الصادق للأمة ونيل محبة الله ورسوله.. وإن الالتزام بتنزيل الخلق مراتبهم الأدبية هو امتثال صريح للشريعة، يورث العبد بركة اتباع المنهج النبوي والنجاة من البراءة النبوية يوم القيامة؛ لقوله ﷺ الحاسم في وجوب معرفة قدر أهل السن والعلم: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ» [رواه أحمد].

2- مضاعفة الأجور وتثقيل الموازين بربط التوقير بإجلال الخالق:

إن بذل الاحترام والتبجيل لأهل الفضل والسن والحكم العادل يعد نافذة كبرى لمضاعفة الحسنات في الآخرة؛ لأن الشريعة جعلت توقير هؤلاء فرعاً من تعظيم الحق جل جلاله في قوله ﷺ: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ» [رواه أبو داود].

3- السلامة من موت القلب في الدنيا ومن خزي وعذاب يوم القيامة:

إن الإنصاف في أقدار الرجال والكف الشامل عن أعراض الرموز والعلماء يورث العبد سلامة الصدر وطهارة اللسان التي تدخله الجنة وتنجيه من الوعيد الصارم الذي حذر منه الحافظ ابن عساكر رحمه الله لحماية الرموز بأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب، ابتلاه الله قبل موته بموت القلب .

*المحور السادس: الواقع المعاصر وانزال الناس منازلهم..

يكشف فقه الواقع وقراءته المعاصرة لآثار طوفان وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) عن تحدٍ مرعب وانحدار قيمي غير مسبوق في منظومة الأخلاق الاجتماعية؛ حيث انفتحت الشاشات الرقمية على ظواهر مأساوية تُبكي القلوب، فنرى بأعيننا نهر الأبناء للآباء والأمهات، والاستخفاف بكرامتهم وعطائهم، والحديث معهم بغلظة وجفاء أمام الكاميرات، بل ووصل الأمر في كثير من المشاهد الصادمة إلى التخلي الكامل عن الوالدين ورميهم في دور المسنين في مشهد يعكس قسوة ونكراناً صارخاً لأولى مراتب التوقير الإنساني وأقدسها شرعاً وفطرة. ويمتد هذا التجرؤ والخلل السلوكي العاصف ليسقط هيبة الأكابر؛ فنرى على تلك المنصات حملات يومية لعدم احترام العلماء، والطعن في قادة الفكر ومؤسسات الدول، والتنقص من أقدارهم، وتجهيل مقاماتهم على أيدي الجهال والتافهين من صناع المحتويات الهابطة. لقد تحولت الكلمة في هذا الفضاء الافتراضي إلى معول هدم يجلب الخزي الدنيوي والعذاب الأخروي، لقوله ﷺ المدوّي: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ، ما يَتَبَيَّنُ فيها، يَزِلُّ بها في النَّارِ أَبْعَدَ ممَّا بيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ» [متفق عليه].

وأمام هذه السيولة والانفلات السلوكي، يقف الإسلام سداً منيعاً بكوابح شرعية حازمة تفرض التثبت والتبين قبل النشر أو التعليق، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، وحسماً لفوضى النقل في قوله ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ»

[رواه مسلم]، مؤكداً الرقابة الإلهية الشاملة على الشاشات والضمائر في قوله عز وجل: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18]، ومتوعداً مروجي الفوضى الأخلاقية والفكرية ومشعلي الفتن في المجتمع بعذاب شديد في قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْإَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19]..إن هذا الواقع يوجب حظر الخوض في أعراض العلماء والمربين ورموز الدولة من القادة ومسؤولي النظم لما له من أثر مدمر على الأمن القومي، مع التأكيد الحاسم على التفريق بين الاحترام وحفظ الهيبة وبين العصمة والتقديس؛ ولنا في قصة المرأة المخزومية الشريفة التي سرقت أبلغ الشواهد، فحين أرادت قبيلتها التوسل بجاهها لتعطيل العدالة، غضب النبي ﷺ وقال: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟.. وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» [متفق عليه]؛ مما يؤصل لقاعدة ذهبية: نحمي هيبة القادة والعلماء والرموز أدبياً وسياسياً وننزلهم منازلهم لضمان الاستقرار، لكن مع سيادة العدل والقانون على الجميع، وعلاج الأخطاء له قنواته ومسالكه الرسمية والنصح بالتي هي أحسن، لا بالتشهير وصناعة “التريندات” الغوغائية.

ومن هنا يثمن الوعي الفكري والوطني القوانين الرادعة التي تفرضها الدولة من تشريعات صارمة لمكافحة جرائم تقنية المعلومات والإنترنت، وملاحقة مروجي الشائعات ضد قادة البلاد وعلمائها، وهو ما يمثل عين مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الضروريات الخمس واستقرار الأوطان.

وانطلاقاً من الآية السابقة التى تقول﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19]، فإن العقوبة الدنيوية تحتاج إلى سُلطة وعزم ينفذها، فالفقه الإسلامي يقرر أن من واجبات الدولة الأساسية الحظر والمنع والتحريم والتجريم لكل ممارسة تؤدي إلى إشاعة الفاحشة والفتن، أو إسقاط الرموز الدينية والوطنية، أو النيل من استقرار الأوطان، وإننا من خلال هذا المقال، نُثمن ونشيد بالجهود العظيمة والقوانين الرادعة التي تقوم بها الدولة اليوم من خلال سنّ تشريعات صارمة لمكافحة جرائم تقنية المعلومات وجرائم الإنترنت، وملاحقة مروجي الشائعات ضد العلماء وقادة البلاد ورموزها، ومحاربة الحسابات الوهمية والمنصات التي تنشر التدليس والتحريض والفسق والفساد .

*خلاصة القول، إن حماية الأوطان والمجتمعات من التفكك والفوضى الفكرية والاجتماعية هي غاية عظمى أكدت أبعادَها المحاورُ الستةُ السابقة؛ بدءاً من حفظ الكرامة العامة والمساواة، مروراً بالسند القرآني والنبوي، واقتداءً بالجيل الفريد وسلف الأمة في تنزيل الخلق مقاماتهم، وبياناً لثمار هذا الخلق في عاجل الدنيا وآجل الآخرة، ووصولاً لضبط فوضى “السوشيال ميديا” وعلاج نهر الوالدين وتهميش الكبار والعلماء والخوض في الرموز الدينية والوطنية بدون تثبت أو دليل. فالالتزام بهذا التوازن الدقيق الذي رسمته تلك المحاور بين صيانة هيبة الرموز من جهة، وخضوع الجميع لسيادة القانون والعدالة من جهة أخرى، هو الضامن التشريعي والأخلاقي الوحيد ليدوم الأمن والأمان للبلاد والعباد، ولتظل الأمة متمسكة بهويتها الحضارية المشرقة .

قال ان حماية أمتنا ومجتمعاتنا من التفكك والفوضى الفكرية تبدأ من خط الدفاع الأول وهو إعادة الهيبة لمجالس العلم والعلماء، وتوقير الآباء والأمهات وأهل الفضل والرموز الحقيقيين من علماء وقادة ومصلحين، وضبط الفضاء الرقمي بقوة القانون وسلطان الدولة ليدوم الأمن والأمان للبلاد والعباد فإن الله تعالى يزع بالسلطان مالا يزع بالقرآن.

نسأل الله العلي القدير أن يلهمنا الرشاد، وأن يوفقنا للعمل بكتابه وسنة نبيه، وأن يحفظ بلادنا وقادتنا وعلماءنا وأهل الفضل فينا من كل سوء ..اللهم آمين يارب العالمين .

ظهرت المقالة مدير الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ إنزال الناس منازلهم ( تأصيل شرعي وفقه واقعي) أولاً على جريدة المساء.

مدير الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ إنزال الناس منازلهم تأصيل شرعي وفقه واقعي



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


جريده المساء مدير الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ إنزال الناس منازلهم

كانت هذه تفاصيل مدير الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ إنزال الناس منازلهم ( تأصيل شرعي وفقه واقعي) نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جريده المساء و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم