اليكم الان حسن بن عثمان يفتح دفتر الذاكرة على تونس ما بعد الثورة والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس
في «حكايتي مع العشرية السوداء 2011-2021»، يعود الصحفي والإعلامي التونسي حسن بن عثمان إلى عقد كامل من تاريخ تونس الحديث، مستعيداً سنوات ما بعد سقوط بن علي من موقع الصحفي الذي عاش جزءاً من الأحداث من داخل المؤسسة الإعلامية، قبل أن يجد نفسه في الهامش من جديد. (الصورة : حسن بن عثمان مع زميلنا جمال قتالة).
جمال ڨتالة
في 234 صفحة، لا يقدم بن عثمان مذكرات بالمعنى التقليدي، ولا بحثاً أكاديمياً في تاريخ العشرية. الكتاب أقرب إلى شهادة شخصية وسياسية وإعلامية، تمتزج فيها الذاكرة بالموقف، والتجربة بالنقد، والسخرية بالاعتراف.
منذ العنوان، لا يخفي الكاتب حكمه على المرحلة. «العشرية السوداء» ليست بالنسبة إليه مجرد تسمية زمنية، بل توصيف لمرحلة يرى أنها انتهت بضياع جزء كبير من الآمال التي حملتها ثورة 2011.
لكن أهمية الكتاب لا تكمن فقط في مواقف صاحبه من الثورة أو الأحزاب أو السلطة. أهميته أيضاً في أنه يضع الصحفي نفسه داخل الصورة، ويعترف بأنه لم يكن مجرد مراقب لما حدث.
من الهامش إلى المركز ثم العودة إليه
الصحافة تحتل مساحة واسعة من ذاكرة حسن بن عثمان. يستعيد تجربته المهنية، ويتوقف عند مرحلة ما قبل 2011، حين كانت الكتابة الصحفية تتحرك داخل هامش ضيق، ثم عند الانفجار الإعلامي الذي أعقب الثورة، عندما تكاثرت المنابر والقنوات وتحولت وسائل الإعلام إلى فضاء مفتوح للصراع السياسي.
غير أن الكاتب لا يقدم نفسه في صورة الصحفي الذي كان دائماً على الجانب الصحيح من التاريخ. على العكس، يضع نفسه أحياناً في قفص الاتهام، ويكتب: «قمت فيها بدور ممثل الظلام».
هذه الجملة تكشف جانباً مهماً من الكتاب: بن عثمان لا يكتب فقط عن الآخرين، بل يعود إلى تجربته الشخصية ليحاسبها أيضاً. وفي موضع آخر يقول: «الصحافة لم تكن شواغلها من شعور أغلبية وله أولوياتي».
النقد هنا يتجاوز المؤسسات الإعلامية ليصل إلى علاقة الصحفي بالجمهور وبالأولويات الاجتماعية والسياسية. وبعد 2011، يرى الكاتب أن المشهد لم يتحرر بالضرورة من كل أشكال التوجيه، وإنما تغيرت قواعد اللعبة وأصبح الإعلام جزءاً من سوق سياسية مفتوحة.
ومن هنا تأتي إحدى عباراته الساخرة: «السحر على الساحر». عبارة تلخص، في لغته، مفارقة مرحلة اعتقد فيها كثيرون أن سقوط الرقابة القديمة يعني بالضرورة ولادة إعلام مستقل ومتحرر من كل الحسابات.
«ثورة الشباب المغدورة» وصراع المواقع
لا يتعامل حسن بن عثمان مع 2011 باعتبارها صفحة مغلقة من التاريخ، بل باعتبارها لحظة تأسيسية أعادت توزيع المواقع والولاءات. لذلك يسميها «ثورة الشباب المغدورة».
وفي أكثر مقاطع الكتاب مباشرة، يكتب عن حركة النهضة: «استولوا على الثورة التونسية. كان أغلبهم من زملاء الهامش والكتابة في المنابر».
هذا حكم سياسي واضح من صاحب الكتاب، وليس حقيقة تاريخية يقدمها المؤلف بوصفها نتيجة بحث محايد. قوة العبارة تأتي من كونها تكشف موقع الكاتب من الصراع الذي أعقب سقوط بن علي، كما تكشف مقدار المرارة التي يحملها تجاه ما اعتبره انحرافاً عن أهداف الثورة.
لكن بن عثمان لا يحصر المسألة في حزب أو تيار واحد. فالعشرية، في قراءته، كانت أيضاً زمناً لإعادة تشكيل التحالفات والصداقات والخصومات. يقول: «تحولت الأعداء إلى أصدقاء والأصدقاء إلى أعداء».
الجملة تلخص واحدة من أكثر الظواهر التي يتوقف عندها الكتاب: تبدل المواقع السياسية بسرعة، وانتقال شخصيات من معسكر إلى آخر، وإعادة تعريف الخصومة وفقاً لموازين المرحلة.
وفي مقابل هذه التحولات، يعلن الكاتب انتماءه إلى جيل سياسي وثقافي محدد بقوله: «أنا من أطفال بورقيبة».
العبارة ليست مجرد استعادة للطفولة أو الذاكرة. إنها إعلان عن مرجعية فكرية وسياسية، وعن علاقة خاصة بجيل الدولة الوطنية ومؤسساتها ورموزها. ولذلك يصبح الكتاب، في جانب منه، مواجهة بين ذاكرة جيل عاش الدولة قبل 2011، وجيل آخر دخل السياسة بعد الثورة بشروط مختلفة.
الدولة: ما الذي تغير بعد 2011؟
من أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب سؤال الدولة. هل تغيرت الدولة فعلاً بعد الثورة، أم تغيرت الوجوه والفاعلون بينما بقيت البنية العميقة للمؤسسات على حالها؟
في واحدة من أكثر العبارات حدة، يكتب بن عثمان: «دولة الاستقلال: المركز مركز الحرّس والشرطة ومركز الحجز والسجون».
هذه ليست قراءة محايدة لتاريخ الدولة التونسية، بل تفسير سياسي ينطلق من تجربة الكاتب ونظرته إلى المركز والهامش. فالمركز، في هذا التصور، لا يمثل فقط الإدارة والقرار، وإنما أيضاً أدوات السيطرة والضبط.
من هنا يعود الهامش في الكتاب باعتباره أكثر من موقع جغرافي. إنه موقع رمزي للصحفي والكاتب الذي يجد نفسه خارج دوائر النفوذ، ثم يعود إليها مؤقتاً، قبل أن يغادرها من جديد.
واللافت أن الكتاب لا يقدم العشرية فقط كصراع بين سلطة ومعارضة، أو بين علمانيين وإسلاميين، بل يرسم مشهداً أكثر تعقيداً تتداخل فيه الدولة والإعلام والحزب والنخبة والمصالح الشخصية.
25 جويلية والعودة إلى الكتابة
يصل الكتاب في نهايته إلى 25 جويلية 2021، التي يقرأها حسن بن عثمان باعتبارها لحظة «تصحيح مسار» ونهاية لما يسميه العشرية السوداء. وهذه القراءة، مرة أخرى، هي قراءة صاحب الكتاب وموقفه السياسي من الحدث، وليست حكماً تاريخياً نهائياً على تلك المرحلة.
حتى اللغة تتغير في الصفحات الأخيرة، فتظهر نبرة أقرب إلى التأمل والاعتراف. يكتب: «أليس الحب يقرأ بدل؟ حتى يتسع السواد على البلاد».
ثم يوجه دعوة إلى تجاوز المرحلة بعد استخلاص ما يعتبره دروسها الأساسية: «علينا جميعا، طي صفحتها بعد قراءتها واستخلاص العبر والدروس منها… وهي دروس ساطعة البيان». لكن أكثر ما يختصر نهاية الرحلة ربما هو قوله: «رجعت للهامش فرحا مسرورا… أكتب من جديد». العودة إلى الهامش هنا لا تبدو هزيمة. الكاتب يعيد تقديم الهامش باعتباره موقعاً للكتابة والمراقبة، وربما أيضاً موقعاً أكثر حرية من دوائر السلطة والضجيج السياسي.
«حكايتي مع العشرية السوداء» ليس كتاباً محايداً، ولا يحاول أن يكون كذلك. إنه كتاب غضب وذاكرة وسخرية ومراجعة ذاتية، وفيه مواقف سياسية صريحة، وأحكام قاسية، وتعميمات يمكن مناقشتها والاختلاف معها. لكن قيمته الأساسية تكمن في مكان آخر: في شهادة صحفي عاش التحولات من داخل المشهد الإعلامي، ثم عاد إلى الوراء ليكتب ما بقي في ذاكرته من تلك السنوات.
حسن بن عثمان لا يضع أمام القارئ تاريخاً نهائياً للعشرية، بل يقدم روايته عنها. وبين الرواية والشهادة والموقف السياسي، يترك للقارئ مهمة المقارنة والمساءلة والبحث عن الروايات الأخرى. وهذا بالضبط ما يجعل الكتاب مادة قابلة للنقاش: ليس لأنه يحسم الجدل حول العشرية السوداء، وإنما لأنه يضيف إليه صوتاً شخصياً حاداً، يرفض أن يكتب من موقع المتفرج، ويصر في النهاية على العودة إلى المكان الذي بدأ منه: الهامش، والكتابة.
ظهرت المقالة حسن بن عثمان يفتح دفتر الذاكرة على تونس ما بعد الثورة أولاً على أنباء تونس.
حسن بن عثمان يفتح دفتر الذاكرة على تونس ما بعد الثورة
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
أنباء تونس حسن بن عثمان يفتح دفتر الذاكرة على تونس ما بعد الثورة
كانت هذه تفاصيل حسن بن عثمان يفتح دفتر الذاكرة على تونس ما بعد الثورة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

