اليكم الان المنصوري ومعركة التواصل والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس
«La communication est à l’action ce que l’aviation est à l’infanterie, l’aviation doit passer pour que l’infanterie puisse sortir. C’est lorsqu’on a gagné la bataille de la communication qu’on peut commencer à agir.»
«التواصل بالنسبة إلى الفعل هو بمثابة الطيران بالنسبة إلى المشاة، يجب أن يمهّد الطيران الطريق حتى يتمكن المشاة من التقدم. فعندما نكسب معركة التواصل، يمكننا أن نبدأ في الفعل.»
تنطبق هذه القاعدة، إلى حد بعيد، على الطريقة التي تدير بها فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المعينة للتشكيل الحكومة بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات التشريعية ل 23 شتنبر 2026، الأسابيع الأولى من مشاورات تشكيل الحكومة. فمنذ البداية، بدا واضحا أن المعركة لا تدور فقط داخل مقر التفاوض حول تشكيل الأغلبية وتوزيع الحقائب وترتيب الأولويات، وإنما تدور، بالتوازي، في فضاء آخر أكثر اتساعا وتأثيرا: فضاء الرأي العام والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
فالسياسة في زمن الاتصال الفوري (مواقع التواصل الاجتماعي) لم تعد تبدأ من القرار، وإنما من الصورة التي تسبق القرار. وقبل أن تشكل الحكومة، تكون صورتها قد بدأت في التشكل لدى المواطنين. وقبل أن يخرج برنامجها إلى الوجود، تكون الرواية المحيطة بها قد بدأت في فرض نفسها.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الإستراتيجية التواصلية التي اعتمدتها المنصوري خلال الأسبوعين الأولين باعتبارها جزءا من عملية تدبير سياسي متكاملة، وليست مجرد مواكبة إعلامية لمشاورات تشكيل الحكومة.
الانفتاح… ثم إعادة ضبط الإيقاع
اختارت المنصوري في البداية سياسة انفتاح واضحة على الإعلام والرأي العام، كان الهدف، على ما يبدو، منح المشاورات زخما سياسيا وشعبيا، وإخراجها من صورة التفاوض الحزبي المغلق إلى فضاء أكثر انفتاحا على المجتمع.
غير أن الانفتاح في التواصل السياسي يظل دائما سلاحا ذا حدين. فكلما ارتفع منسوب الحضور الإعلامي، ارتفع معه هامش التأويل. وهكذا تحولت بعض التفاصيل الشكلية المرتبطة بظهور رئيسة الحكومة المعينة إلى مادة للنقاش، وتداخلت المعلومة مع الإشاعة، والوقائع مع التأويل، بما أتاح لمواقع التواصل الاجتماعي أن تصبح جزءا من صناعة الحدث، لا مجرد منصة للتعليق عليه.
وفي الجهة المقابلة، دخل حزب العدالة والتنمية، باعتباره مكونا أساسيا في المعارضة، إلى هذا المجال بخطاب سياسي وأخلاقي حاد، استثمر حالة الاهتمام الشعبي بالمشاورات ورفع منسوب الضغط الإعلامي على المنصوري ومحيطها السياسي.
لكن المثير في هذه المرحلة أن فريق المنصوري لم يختر، في المقابل، الدخول في مواجهة مباشرة ومستمرة مع كل ما يثار حوله. بل بدأ، تدريجيا، في إعادة توزيع الأدوار داخل المعركة التواصلية.
وهبي… الواجهة التي تتحمل الصدام
في هذا السياق، برز عبد اللطيف وهبي كأحد أبرز الوجوه التي تولت مساحة واسعة من الاشتباك السياسي والإعلامي.
وهبي ليس مجرد سياسي يتحدث باسم حزبه، فهو يمتلك أسلوبا خطابيا يقوم على المباشرة، وسرعة الرد، والقدرة على تحويل النقاش إلى مواجهة سياسية مفتوحة. وهذه الخصائص تجعله، من منظور التواصل السياسي، مناسبا للمساحات التي تتطلب الصدام والرد والهجوم المضاد.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد تصريح أو حوار. إنها تتعلق بتوزيع الوظائف التواصلية داخل الفريق السياسي.
فرئيسة الحكومة المعينة تحتاج، في مرحلة التفاوض، إلى الحفاظ على موقعها باعتبارها مركز القرار والتشاور، بينما يمكن لقيادات أخرى أن تتولى الاشتباك مع الخصوم وامتصاص جزء من الضغط الإعلامي.
بمعنى آخر، ليس ضروريا أن تدخل رئيسة الحكومة كل المعارك حتى تنتصر فيها سياسيا. أحيانا يكون نجاح القيادة في أن تختار المعارك التي تخوضها، وتترك لآخرين معارك أخرى.
من التواصل المفتوح إلى الصمت المحسوب
لكن التحول الأكثر دلالة جاء خلال الأسبوع الثاني، عندما اتجهت المنصوري إلى اعتماد أسلوب أكثر حذرا في إدارة المعلومات.
فالاجتماعات مع قيادات الأحزاب أصبحت أكثر انغلاقا، وحضور الزعماء إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة في صيغ فردية قلل من فرص التسريب، ومنح المفاوضات مساحة أوسع للتحرك بعيدا عن ضغط الكاميرات والأسئلة والتأويلات.
وهنا تحديدا يظهر الفرق بين الصمت السياسي والصمت التواصلي.
فالمنصوري لم تمنع الصحافة من الحضور، ولم تغلق المجال أمام الإعلام، لكنها قلصت عمليا مصادر المعلومات غير الرسمية. والنتيجة كانت طبيعية: عندما تتراجع المعلومة الرسمية، تتقدم التخمينات.
بدأ الرأي العام يتساءل: من التقى من؟ ماذا قيل؟ من سيدخل الحكومة؟ من سيغادر؟ وما هي طبيعة التفاهمات؟
وهذه الأسئلة، في حد ذاتها، تكشف نجاحا نسبيا في التحكم في جوهر المفاوضات، لكنها تكشف أيضا مخاطرة معروفة في إدارة الاتصال: إذا لم تنتج المؤسسة الرواية، فإن المجال العمومي سينتج رواياته الخاصة.
وهنا تكمن براعة الإستراتيجية التواصلية في قدرتها على تحديد مقدار المعلومات التي يجب تقديمها، ومتى يجب تقديمها، ومتى يكون الصمت أكثر فائدة من الكلام.
عندما ينتقل الضغط إلى معسكر الخصم
في هذه النقطة تحديدا، جاء خروج عبد اللطيف وهبي بتصريحات حادة حول تدبير ملفات ثقيلة خلال تجربة حكومة العدالة والتنمية في نسختها الثانية برئاسة سعد الدين العثماني، ليفتح جبهة سياسية وإعلامية جديدة.
فالنتيجة التواصلية لم تكن مرتبطة فقط بمضمون التصريح، وإنما بما أحدثه من تحويل للأجندة الإعلامية.
فبدلا من استمرار التركيز على كل خطوة تقوم بها المنصوري في مشاوراتها، انتقل جزء كبير من النقاش إلى داخل العدالة والتنمية نفسه، وإلى تقييم تجربته الحكومية السابقة، وإلى العلاقة بين مرحلتي عبد الإله ابن كيران وسعد الدين العثماني.
وهكذا وجد الحزب نفسه مضطرا للدخول في سجال حول ماضيه الحكومي، في الوقت الذي كانت فيه المنصوري تواصل مشاوراتها بعيدا نسبيا عن مركز العاصفة.
ومن منظور التواصل السياسي، هذه نقطة مهمة: المعركة الإعلامية لا تُحسم دائما بكثرة التصريحات، وإنما أحيانا بنجاحك في تغيير الموضوع الذي يتحدث عنه الجميع.
بنسعيد… جبهة أخرى في المعركة
في السياق نفسه، لا يمكن النظر إلى خروج المهدي بنسعيد في مواجهة تيار اليسار باعتباره تفصيلا معزولا عن المشهد العام.
فبنسعيد فتح مساحة أخرى للاشتباك السياسي، هذه المرة مع جمال العسري ممثل للتحالف اليسار في نقاش لم يلغ الخلاف بين الطرفين، لكنه نقل الاختلاف إلى فضاء الحوار السياسي المباشر.
وهنا يظهر مجددا منطق توزيع الأدوار والرسائل.
وهبي في مواجهة مباشرة مع خصوم سياسيين، بنسعيد في النقاش مع اليسار، والمنصوري في قلب المشاورات والتفاوض.
ثلاثة أدوار، وثلاث مساحات تواصلية، ومركز واحد لصناعة القرار.
وهذه ليست بالضرورة مصادفة في إدارة المشهد، بل يمكن قراءتها باعتبارها نموذجا للتواصل السياسي متعدد الواجهات، حيث لا يحمل شخص واحد كل الرسائل، ولا تتحول رئيسة الحكومة المعينة إلى طرف مباشر في كل مواجهة.
من أخطاء أخنوش إلى درس التواصل الحكومي
الأصالة والمعاصرة تبدو، من خلال هذه المقاربة، وكأنها تستوعب مبكرا أحد أبرز دروس الولاية الحكومية السابقة: أن الحكومة لا تُحاسب فقط على ما تفعله، وإنما أيضا على قدرتها على تفسير ما تفعله وإقناع الرأي العام به.
وهنا تبرز تجربة عزيز أخنوش باعتبارها حالة تستحق التأمل من الزاوية التواصلية. فقد ساهمت الكثير من الهفوات التواصلية خلال الولاية السابقة في توسيع المسافة بين الخطاب الحكومي والصورة التي تشكلت لدى جزء من الرأي العام عن الأداء الحكومي.
وفي السياسة الحديثة، لا تكفي الإنجازات وحدها لبناء الصورة العامة، فبين القرار ووعي المواطن به توجد منظومة كاملة من التفسير والتواصل والتأطير.
وإذا تركت المؤسسة هذه المساحة فارغة، فإن المعارضة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي سيملؤونها كل بطريقته.
لهذا، فإن التواصل الحكومي ليس وظيفة تكميلية تظهر عند وقوع الأزمة، وإنما هو جزء من التدبير نفسه.
الحكومة التي لم تتشكل بعد… بدأت تتواصل
المفارقة أن الحكومة المقبلة بدأت، عمليا، في بناء صورتها قبل أن تبدأ عملها، وهذا هو جوهر المسألة.
فالمرحلة الحالية ليست فقط مرحلة تشكيل أغلبية، وإنما مرحلة تأسيس صورة سياسية للحكومة الجديدة: كيف ستتحدث؟ كيف ستدافع عن قراراتها؟ من سيتحدث باسمها؟ من سيتولى مواجهة المعارضة؟ وكيف ستتعامل مع الأزمات عندما تنتقل من مرحلة الوعود إلى مرحلة المسؤولية؟
من هذه الزاوية، تبدو إستراتيجية المنصوري أقرب إلى محاولة بناء نظام تواصل سياسي مسبق، يقوم على الانفتاح عندما يكون الانفتاح مفيدا، وعلى التحفظ عندما تصبح المعلومة عبئا على المفاوضات، وعلى توزيع الأدوار عندما تفرض المواجهة نفسها.
وهي فلسفة مختلفة عن التواصل الذي ينتظر وقوع الأزمة ثم يبحث عن طريقة للرد عليها.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد تشكيل الحكومة
لكن كل ما سبق سيظل، في النهاية، مجرد مقدمة للاختبار الأصعب.
فبعد تشكيل الحكومة، لن تكون المنصوري في مواجهة أسئلة الصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي فقط، وإنما ستجد نفسها في مواجهة مباشرة ومنظمة مع فرق المعارضة داخل البرلمان، وعلى رأسها القوى التي بدأت منذ الآن في بناء خطاب نقدي للحكومة المقبلة، وهنا ستتغير قواعد اللعبة بالكامل.
لن يكون كافيا أن تنجح رئيسة الحكومة في إدارة المشاورات أو في التحكم في إيقاع الأخبار. فالحكومة، بمجرد تنصيبها، ستحتاج إلى فريق حكومي قوي تواصليا وسياسيا، قادرا على الدفاع عن السياسات العمومية، وشرح القرارات، والرد على الانتقادات، واحتواء الأزمات، وتحويل الأرقام والبرامج إلى رسائل يفهمها المواطن.
فالمعارضة البرلمانية لن تمنح الحكومة وقتا طويلا لبناء لغتها، وستكون كل هفوة قابلة للتحول إلى قضية، وكل تأخر في الرد قابلا لأن يصبح رواية، وكل تناقض في الخطاب قابلا لأن يتحول إلى مادة سياسية.
لذلك، فإن التحدي المقبل أمام المنصوري لن يكون فقط من ستختار لحكومتها، وإنما من ستختار ليكون قادرا على الحديث باسمها والدفاع عنها عندما تبدأ المعركة الحقيقية.
فالحكومة تحتاج إلى وزراء يدبرون القطاعات، لكنها تحتاج أيضا إلى وزراء قادرين على التواصل السياسي، وإلى منظومة حكومية متماسكة في رسائلها، سريعة في تفاعلها، واضحة في خطابها، وقادرة على مواجهة المعارضة دون أن تتحول كل مواجهة إلى أزمة.
وبذلك، فإن المعركة التي بدأت اليوم كمعركة تشكيل حكومة، قد تتحول غدا إلى معركة إدارة رواية الحكومة.
وهنا ستتحدد قيمة الإستراتيجية التواصلية للمنصوري فعليا: هل ستظل مجرد أداة ناجحة لإدارة مرحلة التشكيل، أم ستتحول إلى فلسفة متكاملة في إدارة الحكم؟
فالطيران قد يمهّد الطريق للمشاة، لكن المعركة الحقيقية تبدأ عندما ينزل المشاة إلى الأرض.
-مستشار في التواصل
المنصوري ومعركة التواصل Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المنصوري ومعركة التواصل
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
هسبريس المنصوري ومعركة التواصل
كانت هذه تفاصيل المنصوري ومعركة التواصل نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

