اليكم الان ما بعد حكومة المنصوري والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب
انتهت مساء أمس الاثنين 12 أكتوبر 2026، واحدة من أكثر مراحل تشكيل الحكومة وضوحا منذ انتخابات 23 شتنبر، بعدما أعلنت فاطمة الزهراء المنصوري رسميا عن أغلبية رباعية تجمع الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية.
بالنسبة إلى المتابع العادي، تبدو هذه نهاية قصة بدأت يوم الاقتراع. حزب تصدر، ورئيسة حكومة عُيّنت، ومشاورات جرت، ثم أغلبية تشكلت. لكن التجربة المغربية علّمتنا أن ما نراه نحن بداية لشيء، أو نهاية لشيء آخر، يكون في كثير من الأحيان مجرد محطة داخل مسار أطول، وأن الدولة تشتغل بوحدات زمن أكبر بكثير من ولاية حكومية أو تشريعية، فيما نستهلك نحن طاقتنا في حساب من دخل ومن خرج ومن حصل على كم من الحقائب. لهذا لا يشغلني كثيرا، الآن، سؤال حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بقدر ما يشغلني سؤال ما بعدها.
أقول ذلك باعتباري واحدا ممن حضروا وواكبوا، من موقع الصحافي، ميلاد حركة لكل الديمقراطيين قبل نحو عشرين عاما، ثم خروج حزب الأصالة والمعاصرة منها بعد ذلك بقليل، وعاصروا اللحظة التي بدا فيها أن الدولة تحاول إنتاج تنظيم سياسي من نوع مختلف، لا يشبه كثيرا ما أنتجه لها المجتمع المغربي من أحزاب، ولا حتى تلك الأحزاب التي ارتبط اسمها تاريخيا بالإدارة والعهد القديم.
كان “البام” يومها أكثر من مجرد حزب جديد؛ كان تمرينا على إعادة تركيب جزء من الحقل السياسي، وجمع نخب ومسارات وخلفيات شديدة الاختلاف داخل وعاء واحد، مع طموح واضح إلى احتلال موقع متقدم في النظام الحزبي.
وأذكر جيدا سنة 2009، حين اجتمع الحزب في فندق رباطي صغير ليقرر الانسحاب من أغلبية حكومة عباس الفاسي، مع بقاء أحمد أخشيشن وزيرا داخلها. أعرف أن كثيرا من قراء هذا الركن سيفاجؤون أصلا بأن حزب الأصالة والمعاصرة سبق أن كان جزءا من أغلبية يقودها حزب الاستقلال، لكن تلك الواقعة وحدها تكشف كيف كانت مواقع الحزب ووظائفه تتشكل بالتجربة، وكيف كان الانتقال من موقع إلى آخر جزءا من عملية بناء لم تكن مستقرة بعد.
في الفترة نفسها، دُعيت لأول مرة إلى برنامج “حوار” الذي كان يقدمه باقتدار كبير طيب الذكر مصطفى العلوي، غفر الله لنا ما كنا نقوله فيه وقتها، حين كنا نعتبره “بوقا” مخزنيا، وأحيانا الله حتى رأينا الأبواق الحقيقية. وكان كثير من الكلام يدور يومها حول “تأهيل” الحزب الجديد لما هو أكبر، وربما لنقلة تقربه أكثر من مواقع السلطة قبل الموعد الانتخابي.
لكن من الدروس البليغة التي تعلمناها لاحقا أن الدولة لا تحقق دائما ما تريد، والسياسة لا تسير كما تُرسم على الورق. لم يصل الحزب إلى قيادة الحكومة في 2012 كما كان كثيرون يتوقعون أو يتمنون، ولم يصل إليها في 2016 أيضا، رغم أن معركة تلك السنة كانت قد بلغت من الحدة ما جعل الصراع بينه وبين العدالة والتنمية يبدو أقرب إلى معركة حسم تاريخي.
وحده “الداهية” إلياس العماري استطاع أن يدوّخني قبل نحو ثلاث سنوات، حين قال لي، وهو الذي كان في قلب تلك المعركة، إن “حِسب البام” تأسّس أصلا لكي يصل إلى قيادة الحكومة في سنة 2026. لم أعرف يومها إن كان الرجل يمازحني، أم يستعيد تخطيطا حقيقيا، أم يمارس واحدة من لعبه المعروفة مع الذاكرة والسياسة، لكن الجملة تبدو لي اليوم أقل غرابة مما بدت وقتها.
المهم بالنسبة إلي ليس أن نثبت أن هناك خطة عمرها عشرون عاما نُفذت بحذافيرها، فهذا تبسيط لا يليق بالسياسة ولا بالدولة، بل أن نفهم أن المدى الذي تتحرك فيه الدولة أطول بكثير من مدى الأحزاب والحكومات، وأن ما يتعطل في مرحلة قد يعاد استعماله في مرحلة أخرى، وما يفشل في وظيفة قد ينجح في وظيفة غيرها. ولذلك فإن وصول الأصالة والمعاصرة اليوم إلى قيادة الحكومة لا يغريني كثيرا بالتأمل، بقدر ما يدفعني إلى النظر مباشرة إلى الحلقة التالية.
لقد عرف المغرب، في العقد الأخير وحده، درسين كبيرين في إدارة الصعود والهبوط الحزبي. الأول مع العدالة والتنمية، الذي قاد الحكومة مرتين متتاليتين في استثناء نادر في تاريخ المغرب المستقل، قبل أن يدفع كلفة باهظة، جماعيا وفرديا، انتهت بانهيار انتخابي كبير. والثاني مع التجمع الوطني للأحرار، الذي أظهر أن الدولة لا تملك فقط أدوات إنزال الأحزاب “الطبيعية” من القمة إلى القاع، بل تعرف أيضا كيف تقص أجنحة الأحزاب التي صنعت صعودها أو ساعدتها عليه، وأنها قادرة على إخراجها من النافذة بعد أن تدخلها من البوابات الكبرى محمولة فوق “العماريات”.
لهذا يحق لنا، بكل مشروعية، أن نسأل منذ الآن: ماذا بعد وصول “البام” إلى رئاسة الحكومة؟
ليس في الأمر مغامرة كبيرة إذا استظرفنا مثلا احتمال أن يكون حزب الاستقلال، الشريك القوي داخل الحكومة الجديدة، واحدا من أهم المرشحين للعب دور مختلف في 2030، أو حتى قبل ذلك. فقد أصبحت لدينا في السنوات الأخيرة متتالية الحزب الثاني داخل الأغلبية الذي يتحول، في لحظة ما، إلى القوة التي تقطع الطريق على الحزب الأول أو تستفيد من تراجعه.
فعلها أخنوش مع العدالة والتنمية، ثم فعلها الأصالة والمعاصرة مع الأحرار. ولا يوجد ما يجعل تكرار السيناريو مع الاستقلال أمرا مستحيلا، إذا أحسن الحزب تدبير موقعه داخل الحكومة، واحتفظ، في الوقت نفسه، بمسافة كافية عن كلفة قيادتها.
الأمر نفسه يهمّ اليسار الحزبي. أعرف أن بعض القراءات سارعت إلى اعتبار دخول الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية إلى الحكومة نوعا من الإجهاز على ما تبقى من رصيدهما، وأن أحزاب الكتلة القديمة ذهبت إلى الحكومة لكي تفقد آخر ما تبقى لها من مصداقية.
هذه قراءة مغرقة في النظرية، وتصدر في كثير من الأحيان عن أحكام طوباوية لا علاقة لها بكيفية اشتغال السياسة فعليا في المغرب. المشاركة في الحكومة لا تقتل الأحزاب بالضرورة، بل يمكن أن تحييها وتقويها، إلا من “طاح عما” في مائدة السلطة ونسي أن يحتفظ بطريق الرجعة.
العدالة والتنمية دخل الحكومة سنة 2012 وعاد أقوى في 2016، والتقدم والاشتراكية شارك في الحكومات “حتى شبع”، ولم يفقد مع ذلك قدرته على إقناع وتأطير قسم غير يسير من النخب اليسارية.
لهذا قد تكون أمام اليسار المغربي فرصة لا تتكرر كثيرا، فجزء منه داخل الحكومة، وجزء آخر في المعارضة، بما يسمح له، إذا أحسن اللعب، بأن يجني عائدات الضفتين. يمكن للاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية أن يستعيدا بعضا من الحضور الذي فقداه عبر التدبير والنتائج، فيما تحتفظ قوى اليسار المعارضة بمساحة النقد والاحتجاج. وإذا حدث ذلك، فلن يكون إدخال اليسار إلى حكومة المنصوري دفنا له، بل ربما بداية إعادة تركيب لموقعه داخل الحقل السياسي.
في الجهة المقابلة، يبدو العدالة والتنمية مقبلا على سنوات سمان. الحزب سيخوض معارضة مريحة نسبيا بكتيبة قوية من الوزراء السابقين، والبرلمانيين المحنكين، والمدبرين السابقين لمجالس المدن، وسيجد في مواجهته الحزب الذي شكّل تناقضه الرئيسي خلال العقدين الماضيين.
الأصالة والمعاصرة يقود الحكومة، والعدالة والتنمية يعارضه من خارجها؛ في وضعية تكاد تعيد بناء القطبية التي حاولت أن تتبلور في 2016، لكن بشروط مختلفة تماما، وبأدوار معكوسة جزئيا. وهذه وحدها فرصة سياسية هائلة للطرفين، إذا عرف كل واحد منهما كيف يستثمرها.
أما التجمع الوطني للأحرار، فلا شيء يفرض أن نقرأ خروجه من الحكومة باعتباره نهاية دوره. فقد يكون في موقعه الجديد أكثر فائدة مما كان عليه في رئاسة الحكومة، كورقة احتياط و”كراج” عمومي للوجوه التكنوقراطية والكفاءات التي تحتاج، كلما دعت الحاجة، إلى “صباغة سريعة” تسمح لها بالانتقال من الإدارة أو الاقتصاد إلى ملعب السياسة. وهذه وظيفة يعرف الحزب تاريخيا كيف يؤديها، ولا يبدو أن النظام السياسي المغربي في غنى عنها.
لا يعني كل ذلك أن هناك غرفة واحدة ترسم، منذ اليوم، تفاصيل سنة 2030 وما بعدها، ولا أن الأحزاب مجرد قطع جامدة فوق رقعة شطرنج. الدولة تخطط، نعم، لكنها تتكيف أيضا، وتخطئ وتصيب، وتعيد ترتيب أدواتها كلما فرض الواقع ذلك. وهذا ما علمتنا إياه تجربة “البام” نفسها.
لهذا لا أرى في إعلان حكومة المنصوري مجرد نهاية لمشاورات بدأت بعد 23 شتنبر، بل نهاية دورة بدأت قبل نحو عقدين، وبداية دورة سياسية جديدة في الوقت نفسه.
والسؤال الحقيقي ليس ماذا ستفعل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري؟ بل ماذا ستفعل بمن حولها، وماذا سيفعل بها من حولها؟
ما الذي سيصير إليه الاستقلال بعد أن يشاركها الحكم؟ وماذا سيبقى من اليسار بعد أن عاد جزء منه إلى الحكومة؟ وإلى أين سيذهب العدالة والتنمية وهو يستعيد موقع المعارضة القوية؟ وكيف سيُستعمل الأحرار خارج السلطة؟
هذه، في تقديري، هي الأسئلة التي تستحق أن نراقبها من الآن، لأن الدولة كثيرا ما تكون قد بدأت ترتيب “ما بعد” الشيء، في اللحظة نفسها التي نكون نحن ما زلنا نحتفل ببدايته.
ما بعد حكومة المنصوري صوت المغرب.
ما بعد حكومة المنصوري
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
صوت المغرب ما بعد حكومة المنصوري
كانت هذه تفاصيل ما بعد حكومة المنصوري نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

