اليكم الان من يصنع لسان المغرب الرقمي؟ والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب
قبل سنوات أشعل النقاش حول الدارجة المغربية والحيز اللغوي الذي يجب أن يُفسح لها في الإعلام والمناهج التعليمية كلغة محكية مُعاشة ما يشبه حربا ثقافية وخصومة سياسية، اصطف خلالها الإسلاميون والمحافظون في وجه الحداثيين والعلمانيين في انقسام إيديولوجي لافت استُدعيت إليه الهوية والدين والتاريخ المُشتبك مع الاستعمار الفرنسي واحتكاره لإنتاج المعرفة.
وعلى مدى سنوات، كان الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية والعراك السياسي والإيديولوجي بشأن الشكل الذي ستُدمج به هذه اللغة في الإعلام والمؤسسات العمومية، محل تدافع صاخب لم يهدأ إلا بمنحها طابعا رسميا في دستور البلاد دون أن يعني ذلك تطبيعا رسميا لغويا كاملا معها.
في ذلك الزمن السياسي، كان الصراع بشأن السلطة على اللغة ورمزيتها يُخاض في الفضاء العام المرئي والمكشوف ويحظى بالنقاش الكافي وبل حتى بالتلاسن السياسي المفهوم في سياق الحساسيات الثقافية والتمثلات اللغوية المعقدة، لكن الآن تقرر الدولة دخول ورش نمذجة الدارجة والأمازيغية عبر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في صمت تام، ويعهد لبنية تحتية خوارزمية مملوكة لشركة فرنسية (Mistral) باتخاذ قرارات فاصلة في تشكيل الهوية اللغوية الرقمية للدارجة، ويمنحها حق تقرير ماذا نعني بالدارجة أصلا، بينما يتم كل ذلك في سياق عمليات تقنية يجهل عنها الجمهور ومؤسسات الوساطة كل شيء باستثناء أنها وُقعت تحت عنوان “ذكاء اصطناعي صنع في المغرب ” ) (AI made in Morocco دون أن يملك المجتمع القدرة على التأثير في القرارات التي تتخذ بشأن “دارجته”.
المشروع هو شراكة بين وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة وشركة Mistral الفرنسية، يقوم على أساس ما يُمكن توصيفه بالتقاط اللغة المحكية من أفواه الناس وتسجيلاتهم وحواراتهم وتعليقاتهم وتخزينها في ذاكرة الآلة وبياناتها قبل معالجتها خوارزميا، لإنتاج اللغة الرقمية المرجوة والقابلة للفهم من طرف البرامج الرقمية التي تدمج تباعا في المؤسسات العامة، أي أن تلك “الدارجة” الذكية ستكتسب سلطة مؤسسية وستحصل على المشروعية اللغوية.
هكذا يبدو أن الحكومة قررت في آخر أيامها وليس على عجل ربما، بل في اتساق تام مع السياسات التكنولوجية الكبرى السيادية للبلاد، أن تتحول الدارجة المغربية من ممارسة اجتماعية وهوياتية متعددة الروافد والسياقات، إلى ترميز رقمي يصنف ويُحوسب ونموذج لغوي خاضع لاحتمالات الأنظمة الخوارمية، يُضاف إلى ما يمكن أن نسميه “عقل الدولة الخوارزمي” الموازي الذي بدأ يتشكل عبر جمع بيانات المغاربة في كل القطاعات وتحليلها وبناء قواعد ضخمة لها وربطها بالذكاء الاصطناعي، قبل الاعتماد عليها في صناعة السياسات العامة والقرار العمومي.
تقول الوزارة أن هذا المشروع يتأسس على نموذج مفتوح المصدر open source)) يحترم منطق التشاركية في صناعة التكنولوجيا، ما يعني من حيث المبدأ أنه مُشرع أمام المطورين للمساهمة فيه، دون أن يلغي ذلك السؤال حول حدود هذا الانفتاح؟ وهل يتم الكشف للمطورين المحليين عن كل مكونات النظام الخوارزمي وطبقاته وأساليب التحكم فيه؟ .
تصر الوزارة أن الهدف هو تبسيط الخدمة الرقمية في المؤسسة العمومية ومخاطبة المغاربة بلغاتهم المحكية، ولكن كل تلك النوايا والوعود لا تمنع طرح السؤال المُحرج مرة أخرى: من يملك النموذج المؤسس (foundational model)؟ هل المطورون المحليون من يتحكمون في أنماط تدريب تلك النماذج وتصنيفها (data training)؟ وهل بالفعل الدولة المغربية من تضع القواعد (standards) ؟ ومن يمتلك قدرات الحوسبة الحقيقية ولا يكتفي فقط باستقبالها على أراضيه وإخضاعها لقوانينه الوطنية؟
قد يصعب فهم هذا الواقع المتفاعل دون العودة لمفهوم التبعية الرقمية (digital dependency) ليس كمجرد استعارة مفاهيمية لسؤال كلاسيكي قديم انشغلت به الأدبيات المفسرة لعلاقة دول الشمال بالجنوب لعقود، ولكن التبعية الرقمية في اللحظة الراهنة تعبيرعن ديناميكية اقتصادية واجتماعية تضخ فيها الدماء مرة أخرى، وقد أصبحت اقتصادات الذكاء الاصطناعي الصاعدة ورأسمالها العابر للحدود الباحث عن الربح في كل الأسواق الشكل الجديد للرأسمالية الغربية المهيمنة عالميا، من يصنع نموذج الاقتصاد العالمي الجديد هي شركات التكنولوجيا الكبرى وهي قررت الآن إعادة تعريف حركة الرأسمال..وتعريف هوية اللغة أيضا.
في المغرب، تؤكد الوزارة أن المشروع سينفتح على لغات وطنية أخرى في إشارة ضمنية للأمازيغية، وفي تأكيد على التنوع وحق التمثيل، ولكن منطق الإدماج الثقافي ذاك يقفز على واقع أن النماذج التقنية الذكية تعمل بمنطق أصيل يدعى (standardization), أي حاجةُ البيانات لنموذج موحد تبني عليه منطقها، وهذا ضرب للتنوع والاختلاف الذي يعد عماد التجربة اللغوية خصوصا لدى الشعوب الأصلية، حينها تصبح اللغة الأكثر قبولا لدى النموذج الخوارزمي هي الأكثر تمثيلا والأكثر قدرة على التطور والبقاء في الفضاء الذكي الجديد، بينما تضمر وتتلاشى اللغات الأخرى التي لا تحظى بعناية النموذج ببساطة، فيما يشبه إبادة لغوية صامتة، ومن يطلع على المنطق المعرفي الكولونيالي الذي يؤطر رؤية وادي السيليكون للعالم والآخر، قد لا يجد في تعبير الإبادة اللغوية مجازفة لغوية.
إذن لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تمثيل رقمي للغة حية ولكنه سيصنع واقعا لغويا جديدا في قوالب تقنية تنمط لهجات صاخبة التنوع وتخنق تعدديتها، واقع تنتجهُ الآلة حصرا لا خطاب الناس وعراكهم وسُبابهم وحكاياهم وقصصهم، وقد تصبح الدارجة والأمازيغية أخيرا معروفة لدى النماذج الذكية، ولكنها ليست الدارجةُ والأمازيغية التي صنعها المغاربة عبر سنوات من الحفر اللغوي الشاق في المعنى والدلالة والمفهوم والتشبيه والاستعارة والتأنيث والتذكير والمدح والذم، حينها حتى لو ادعت الدولة صادقة أنها تمتلك استراتيجية للذكاء السيادي (AI sovereignty) إلا أنها لا تسيطر على المعرفة التي تنتجها هذه النماذج عن المجتمع، لأنها ببساطة شديدة لا تملك البنية التحتية الرقمية لإنتاج تلك المعرفة، لأنها أيضا بنية تحتية يحتكرها حصرا الرأسمال العابر للحدود.
سارة آيت خرصة
باحثة في سلك الدكتوراه في الاقتصاد السياسي للذكاء الاصطناعي والحكامة الرقمية في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية London School of Economics and Political Science (LSE)
من يصنع لسان المغرب الرقمي؟ صوت المغرب.
من يصنع لسان المغرب الرقمي
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
صوت المغرب من يصنع لسان المغرب الرقمي
كانت هذه تفاصيل من يصنع لسان المغرب الرقمي؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

