اليكم الان الذكاء الاصطناعي والإنتاجية : من يتحمّل مسؤولية تحويل رأس المال البشري إلى قيمة ؟ والان إلى التفاصيل من المصدر أنباء تونس
حين يصبح تنفيذ المهام أسرع وأقل كلفة، لم يعد التحدي مقتصرًا على امتلاك التكنولوجيا، بل أصبح مرتبطًا بقدرة المؤسسات على تحديد الأولويات، وتوزيع المسؤوليات، وقياس النتائج الفعلية.
عبد الوهاب بن موسى
لسنوات طويلة، استندت إحدى القواعد الأساسية في سوق العمل إلى معادلة واضحة: اكتساب مهارة مطلوبة، وإتقانها، ثم تحويلها إلى مصدر للدخل. وكانت هذه المعادلة تستمد قوتها من ندرة بعض الكفاءات، ومن الوقت اللازم لاكتساب الخبرة، ومن الصعوبة التي كانت تواجه المؤسسات والأفراد في الوصول إلى المعرفة المتخصصة.
لكن الذكاء الاصطناعي بدأ يغيّر هذه المعادلة. فقد أصبحت أدواته قادرة على إنجاز أجزاء من أعمال البحث والكتابة والبرمجة وتحليل البيانات في وقت أقصر، مع توسيع إمكانية الوصول إلى قدرات كانت تتطلب في السابق موارد وخبرات متخصصة.
لا يعني ذلك أن المهارات فقدت قيمتها، أو أن الخبرة البشرية أصبحت قابلة للاستبدال بصورة آلية. لكنه يعني أن العلاقة بين المهارة والوقت والعائد الاقتصادي تدخل مرحلة جديدة.
عندما يصبح تنفيذ بعض المهام متاحًا على نطاق أوسع، تنتقل الميزة التنافسية تدريجيًا نحو من يستطيع تحديد المشكلة الصحيحة، واختيار الحل المناسب، والتحقق من النتائج، واتخاذ القرار، وتحمل مسؤولية تبعاته.
ومن هنا، يبرز سؤال يتجاوز الجانب التقني: كيف يمكن تحويل قدرات الذكاء الاصطناعي إلى مكاسب فعلية في الإنتاجية، وما المسؤوليات التي ينبغي أن يتحملها كل طرف لتحقيق ذلك؟
يمكن لأداة ذكاء اصطناعي أن تنتج تقريرًا أو تحليلًا أو برنامجًا، لكنها لا تضمن بمفردها أن يكون الناتج صحيحًا أو ملائمًا للحاجة الفعلية. فقد تُبنى الإجابة على بيانات ناقصة، أو تُقترح معالجة لمشكلة ثانوية، أو تُسرَّع عملية لا تستحق الاستمرار بصيغتها الحالية. وفي مثل هذه الحالات، لا يؤدي اختصار وقت التنفيذ بالضرورة إلى تحسين الأداء.
تتطلب القيمة الاقتصادية سلسلة مترابطة من القدرات: تحديد المشكلة، وصياغة الهدف، واختيار البيانات المناسبة، وتقييم المخرجات، ومقارنة البدائل، ثم اتخاذ القرار ومتابعة نتائجه. هذه القدرات لا تلغي المعرفة التخصصية، بل تعزز الحاجة إليها. فكلما أصبحت الإجابات أسهل إنتاجًا، ازدادت أهمية القدرة على التمييز بين الإجابة المقنعة والإجابة الصحيحة، وبين الحل الممكن والحل الذي يحقق قيمة فعلية. لذلك، لا يتمثل التحدي في المفاضلة بين الإنسان والآلة، بل في تحديد المهام التي يمكن أتمتتها، والأنشطة التي تحتاج إلى مراجعة بشرية، والقرارات التي تتطلب مسؤولًا محددًا يمتلك الصلاحية والمعرفة اللازمتين.
الإدارة العامة تحدد الأهداف وتتحمل مسؤولية النتائج
لا ينبغي أن يبدأ مشروع الذكاء الاصطناعي باقتناء الأدوات، بل بتحديد المشكلة التي يراد حلها والنتيجة التي ينبغي تحقيقها.
في المؤسسات العمومية، تتولى الجهات الحكومية المختصة تحديد الأولويات العامة، وتنسيق المشاريع المشتركة، وضبط الأهداف ومتابعة تنفيذها ضمن صلاحيات كل جهة. أما الوزارات والإدارات القطاعية، فعليها تحديد العمليات التي تحتاج إلى تحسين، وتسمية المسؤولين عن المشاريع، وتوفير البيانات والموارد اللازمة، ومتابعة النتائج. وتتولى الهياكل المختصة بتكنولوجيا المعلومات تقييم الحلول التقنية، ومدى ملاءمتها للأنظمة القائمة، ومتطلبات أمن المعلومات وحماية البيانات. في المقابل، تحدد الإدارات صاحبة النشاط المتطلبات المهنية، وتتحقق من أن الحل المقترح يستجيب فعلًا لحاجات المرفق أو المستفيد. أما هياكل الرقابة والتدقيق، فتتمثل مهمتها في التثبت من احترام القواعد، وإمكانية تتبع القرارات، وصحة المؤشرات المعلنة، دون أن تحل محل المسؤولين التنفيذيين في إدارة المشاريع.
هذا التوزيع المقترح للمسؤوليات لا يعني إنشاء هياكل جديدة بالضرورة، بل تفعيل الهياكل القائمة وتوضيح صلاحياتها ومساءلتها عن النتائج. والقاعدة الأساسية هنا هي أن المسؤولية التقنية لا تعوض المسؤولية الإدارية: نجاح النظام من الناحية التقنية لا يثبت وحده نجاح المشروع اقتصاديًا أو اجتماعيًا.
المؤسسات تقيس الإنتاجية قبل اعتماد الحلول وبعدها
في القطاع الخاص، تقع على عاتق الإدارة العامة مسؤولية تحديد الأهداف الاقتصادية، وتخصيص الموارد، وتعيين مسؤول واضح عن كل مشروع. وتتولى الإدارات التشغيلية تحديد الصعوبات اليومية، فيما تقيّم الفرق التقنية الحلول الممكنة، وتحدد الموارد البشرية احتياجات التكوين وتطورات الوظائف. لكن نجاح هذه الأدوار يتطلب مرجعًا واضحًا للقياس.
قبل إدخال الذكاء الاصطناعي، ينبغي تحديد الوضع القائم: ما الكلفة الحالية للعملية؟ كم يستغرق إنجازها؟ ما نسبة الأخطاء؟ وما مستوى جودة الخدمة المقدمة؟ وبعد التطبيق، تُقاس المؤشرات نفسها، مع احتساب كلفة الحل التقني، والصيانة، والتكوين، ومراجعة النتائج، ومعالجة الأخطاء. فإذا انخفض زمن إنجاز المهمة، لكن ارتفعت كلفة المراجعة والتصحيح، فإن المكسب الظاهر قد لا يتحول إلى مكسب صافٍ. وإذا ارتفع عدد الملفات المعالجة دون تحسن الجودة أو رضا المستفيدين، فلا يمكن اعتبار زيادة الحجم دليلًا كافيًا على ارتفاع الإنتاجية.
لذلك، يجب أن يرتبط كل مشروع بأهداف محددة ومؤشرات قابلة للتحقق، وأن تتولى جهة معلومة جمع النتائج ومراجعتها ورفعها إلى الإدارة صاحبة القرار.
التكوين مسؤولية مشتركة، لكن الأدوار مختلفة
يحتل رأس المال البشري موقعًا مركزيًا في هذا التحول. غير أن الدعوة إلى تكوين العاملين لا تكفي ما لم ترتبط بحاجات فعلية وبمسؤوليات محددة. فعلى المؤسسات أن تحدد المهارات التي تحتاج إليها، وأن تقيّم الفجوة بين الكفاءات المتاحة ومتطلبات العمل المقبلة. وعلى الجامعات ومؤسسات التكوين أن تطور برامجها بما يجمع بين المعرفة التخصصية والمهارات الرقمية والتفكير النقدي والتحقق من النتائج. كما يمكن للهياكل المعنية بالتشغيل والتكوين المهني أن تسهم في تحديد الحاجات، ومرافقة إعادة التأهيل، وتحسين التوافق بين المؤهلات المعروضة والوظائف المطلوبة. أما العاملون والإطارات، فعليهم تطوير معارفهم باستمرار، وإتقان الأدوات الملائمة لمجالات عملهم، وتعلم كيفية اكتشاف الأخطاء والتحقق من المخرجات.
لكن مسؤولية الفرد عن تطوير مهاراته لا تعفي المؤسسة من مسؤوليتها في توفير فرص التكوين، وإعادة تنظيم العمل، وتحديد الأهداف، وإتاحة الظروف التي تسمح باستخدام الكفاءات المكتسبة. ويجب ألا يقتصر تقييم برامج التكوين على عدد المشاركين أو الشهادات المتحصل عليها. المعيار الأهم هو مدى انعكاسها على جودة العمل، وتقليص الأخطاء، وتحسين الخدمات، وتطوير قدرة العاملين على تولي مهام أكثر تعقيدًا.
التجربة المحدودة تسبق التعميم
من الأخطاء التي يمكن أن تحد من مردودية التحول الرقمي التوسع في الحلول قبل التثبت من نتائجها، أو الاستمرار في تجارب لا تتوافر لها معايير واضحة لاتخاذ القرار. والبديل هو اعتماد منهجية تدريجية تبدأ باختيار عملية محددة، ثم تحديد وضعها المرجعي، وتعيين مسؤول عن المشروع، وتجربة الحل على نطاق محدود، وقياس نتائجه قبل اتخاذ قرار التوسيع أو التعديل أو الإيقاف.
في إدارة عمومية، يمكن أن يتعلق المشروع بتحسين معالجة الوثائق أو متابعة المطالب. وفي مؤسسة اقتصادية، يمكن أن يركز على تقليص آجال معالجة الملفات أو تحسين اكتشاف الأخطاء. ويظل اختيار المجال مرتبطًا بالحاجة الفعلية، وجودة البيانات، ومستوى المخاطر، وإمكانية قياس النتائج. ويجب أن تكون لكل تجربة إجابات واضحة عن خمسة أسئلة: ما المشكلة التي نريد حلها؟ من المسؤول عن النتيجة؟ ما الموارد المخصصة؟ ما المؤشرات التي سنقيس بها التقدم؟ وما الشروط التي تسمح بتعميم التجربة أو إنهائها؟
بهذه الطريقة، لا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى سلسلة من المبادرات المتفرقة، بل يصبح جزءًا من مسار تنفيذي له بداية محددة وأهداف معلنة ونتائج قابلة للتقييم.
الحوكمة تحدد حدود الأتمتة والمسؤولية
كلما اتسع استخدام الذكاء الاصطناعي، ازدادت الحاجة إلى ضبط العلاقة بين التوصية الآلية والقرار النهائي. على الإدارة المعنية تحديد الحالات التي تسمح بالأتمتة، والحالات التي تستوجب مراجعة بشرية، والقرارات التي لا بد أن يتولاها مسؤول مخول. كما يتعين على الفرق التقنية ضمان سلامة الأنظمة والبيانات، وعلى المسؤولين المهنيين التثبت من ملاءمة المخرجات، وعلى هياكل الرقابة متابعة احترام الضوابط المعمول بها.
وتكتسب هذه المتطلبات أهمية خاصة في قطاعات مثل البنوك والصحة والإدارة العمومية، حيث يمكن أن تؤثر الأخطاء في حقوق الأفراد أو المصالح الاقتصادية أو استمرارية الخدمات. فالخوارزمية لا تتحمل المسؤولية القانونية أو الإدارية بدل المؤسسة التي تستخدمها، كما أن الاستناد إلى توصية آلية لا يعفي صاحب القرار من واجب التثبت، في حدود صلاحياته ومسؤولياته.
إن الحوكمة ليست عائقًا أمام الابتكار، بل شرط لبناء الثقة واستدامة المكاسب. ولا يمكن اعتبار أي حل ناجحًا إذا أدى إلى تسريع العمل على حساب أمن البيانات أو جودة القرارات أو حقوق المستفيدين.
التحدي التونسي: ربط التكنولوجيا بالتنفيذ
بالنسبة إلى تونس، يتمثل الرهان في تحويل الإمكانات التقنية إلى تحسن ملموس في أداء المؤسسات، وتنافسية الاقتصاد، وجودة الخدمات. ويقتضي ذلك ربط مشاريع الذكاء الاصطناعي بأولويات واضحة، وتنسيق جهود التكوين والتطوير التقني، وتحسين جودة البيانات، وتبسيط الإجراءات قبل أتمتتها، وتعزيز التعاون بين الجامعات ومؤسسات البحث والقطاعين العام والخاص. كما يتطلب أن تكون المشاريع مرتبطة بمسؤولين محددين، وآجال معلومة، وموارد مرصودة، ومؤشرات لقياس النتائج. ويجب أن تتولى الجهات المختصة تقييم الأداء، وتحديد أسباب التعثر، واقتراح التصحيح، والتحقق من جدوى توسيع نطاق الحلول. ولا ينبغي أن يكون النجاح في عدد الأدوات المعتمدة أو المبادرات المعلنة، بل في النتائج التي يمكن إثباتها: انخفاض الكلفة، وتحسن الجودة، وتقليص آجال المعالجة، ورفع القيمة المضافة، وتطوير المهارات.
هذه المنهجية تسمح أيضًا بتحديد المشاريع التي تستحق التوسع، بدل توزيع الموارد على مبادرات لا تتوافر لها شروط النجاح أو لا يمكن قياس أثرها.
من مكاسب الإنتاجية إلى قيمة مشتركة
لا تنتهي المسألة عند تحسين أداء المؤسسات، بل تمتد إلى كيفية توزيع المكاسب الناتجة عن التحول. فقد تتيح زيادة الإنتاجية توسيع الاستثمار، وتحسين الخدمات، ورفع القدرة التنافسية، وتوفير وقت أكبر للتعلم والابتكار. لكن هذه النتائج لا تتحقق تلقائيًا، بل تتأثر بالخيارات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية. ومن هنا، تبرز أهمية التكوين المستمر، ومرافقة العاملين الذين تتغير وظائفهم، وتطوير مسارات مهنية جديدة، وربط التحول التقني بتحسين ظروف العمل وجودة الخدمات. وعلى المؤسسات أن تستبق آثار الأتمتة على المهام، وأن توضح للعاملين طبيعة التحولات المنتظرة، وأن تهيئ فرص إعادة التأهيل. أما السياسات العمومية، فعليها دعم التوافق بين منظومة التكوين وحاجات الاقتصاد، ومتابعة انعكاسات التحول على التشغيل والإنتاجية. فالهدف ليس الحفاظ على كل مهمة بصيغتها القديمة، ولا تعميم الأتمتة دون تمييز، بل رفع قدرة الاقتصاد على إنتاج قيمة أكبر والاستفادة منها على نطاق أوسع.
إن الذكاء الاصطناعي لا يضمن وحده ارتفاع الإنتاجية، مثلما لا يضمن امتلاك المهارات توظيفها بصورة مثلى. فالنتيجة تتوقف على وضوح الأهداف، وجودة التنظيم، وتحديد المسؤوليات، وقياس الأداء، والقدرة على تصحيح المسار. ولهذا، ينبغي أن تبدأ المؤسسات بمشاريع محددة وقابلة للقياس، وأن تعين مسؤولًا عن كل مشروع، وتحدد المؤشرات والآجال، ثم تتخذ قرارات التوسيع أو التعديل بناءً على النتائج الفعلية.
عندما يصبح تنفيذ بعض المهام متاحًا على نطاق واسع، تنتقل القيمة تدريجيًا من القدرة على الإنجاز وحدها إلى القدرة على اختيار ما يستحق الإنجاز، والتحقق من النتائج، واتخاذ القرار المسؤول.
التكنولوجيا توفر الإمكانات، والحوكمة تحدد الاتجاه، ورأس المال البشري يحسن توظيفها، أما التنفيذ فهو الذي يحولها إلى نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.
ظهرت المقالة الذكاء الاصطناعي والإنتاجية : من يتحمّل مسؤولية تحويل رأس المال البشري إلى قيمة ؟ أولاً على أنباء تونس.
الذكاء الاصطناعي والإنتاجية من يتحم ل مسؤولية تحويل رأس المال البشري إلى قيمة
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
أنباء تونس الذكاء الاصطناعي والإنتاجية من يتحم ل مسؤولية تحويل رأس
كانت هذه تفاصيل الذكاء الاصطناعي والإنتاجية : من يتحمّل مسؤولية تحويل رأس المال البشري إلى قيمة ؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على أنباء تونس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

