اليكم الان تمويل الغلاء والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب
تحمل حزمة الإجراءات الاجتماعية التي جاء بها مشروع قانون مالية 2027 رسالة واضحة عن سعي نحو تصحيح اختلال الموازين وتحقيق بعض العدالة في توزيع ثمار النمو، هذا أمر لا يمكن أن ينكره إلا جاحد، مع الاحتفاظ للاقتصاديين بحق التحفظ بشأن انعكاسات ذلك على التضخم والسوق الشغل… لكنها تحمل أيضا معنى آخر هو التسليم باستمرار حالة الغلاء، والاستسلام أمام فراقشية المواد الاستهلاكية الأساسية، مثل المحروقات واللحوم والخضر.
حتى الشركات الجهوية التي تعد بها الحكومة لضبط تموين الأسواق ببعض المواد الأساسية لا تكفي، لأن ارتفاع أسعار المواد الفلاحية لا يعود إلى مفعول “الشناقة” وحدهم، بل إلى مخلّفات مخطط المغرب الأخضر في أنماط الإنتاج الفلاحي وطبيعة المزروعات ووفرة المياه…
فهل تريد الحكومة فعلا إعادة بعض الأسعار إلى مستويات أقرب إلى ما كانت عليه قبل موجة الغلاء، أم أنها اقتنعت بأن الوضع الجديد دائم، وقررت فقط أن تمنح المواطن ما يساعده على تحمله؟
الجواب الذي تقدمه الميزانية، أو على الأقل جزء معتبر من إجراءاتها، يميل بوضوح إلى الاحتمال الثاني.
أموال كثيرة في المشروع ستذهب إلى جيوب المواطنين أو ستبقى فيها. ولا يمكن، من موقع جدي، اعتبار هذه الإجراءات بلا قيمة. بالنسبة إلى أرملة متقاعد تعيش بألف درهم، ألف درهم إضافية ليست رقما هيّنا. وبالنسبة إلى أسرة فقيرة، مائة درهم إضافية في الدعم وأخرى لتحمّل فاتورة كهرباء، تحدث فرقا حقيقيا.
المسألة إذن ليست الاعتراض على أن تعطي الدولة المواطن مالا، بل السؤال عن السبب الذي يجعلها مضطرة إلى إعطائه المزيد منه باستمرار كي يستطيع شراء الأشياء نفسها. وهنا تبدأ قصة تمويل الغلاء بدل محاربته.
لنأخذ سوق المحروقات أولا. منذ تحرير الأسعار سنة 2015، والجدل يدور حول سؤال هل لدينا سوق حقيقية للمنافسة، أم سوق تلتقي فيها الأسعار والهوامش عند مستويات تجعل المستهلك الحلقة الأضعف؟
في سنة 2025 وحدها، حققت الشركات التسع الكبرى في هذا المجال نتيجة صافية تقارب 2.16 مليار درهم، بهامش صاف في حدود 3 في المائة، فيما بلغت الضرائب المحصلة من واردات الغازوال والبنزين نحو 28.45 مليار درهم، منها أكثر من 21 مليار درهم من الضريبة الداخلية على الاستهلاك و7.29 مليارات من الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد.
لا يقول مشروع قانون المالية الجديد إن هناك حاجة إلى إعادة بناء تركيبة سعر لتر الغازوال أو البنزين، ولا يحمل، في تدابيره الجبائية، مؤشرا كبيرا على نية خفض العبء الضريبي الذي يتحمله المستهلك عند المضخة. بل يرفع سعر الضريبة على الشركات من 35 إلى 40 في المائة بالنسبة إلى شركات استيراد أو توزيع المحروقات التي يفوق ربحها الصافي السنوي مائة مليون درهم، مبررا ذلك بضرورة تحسين مساهمة الشركات التي تشتغل في أنشطة مقننة أو في وضعية احتكار أو احتكار القلة.
إذا كانت شركة تحقق أرباحا كبيرة داخل سوق قليلة المنافسة، فمن الطبيعي أن تطالبها الدولة بمساهمة أكبر. لكن للمقتضى قراءة أخرى أيضا، وهي أننا بدل أن ننشغل فقط بكيفية خفض هامش الأرباح، قررنا أن نرفع نصيب الخزينة منها. المواطن سيدفع السعر في المحطة، والشركة ستحتفظ بما يتبقى لها من هامش، والدولة ستأخذ 40 في المائة من الربح الكبير بدل 35. أي أن الخلاف لم يعد حول حجم الكعكة، بل حول طريقة اقتسامها.
وتصبح الصورة أكثر إثارة حين نقرأ توقعات المداخيل الجبائية نفسها. فالحكومة تنتظر أن ترتفع الضرائب غير المباشرة في 2027 إلى 173.5 مليار درهم، بزيادة 8.4 في المائة عن توقعات 2026. وتنتظر أن تصل مداخيل الضريبة على القيمة المضافة إلى 125.3 مليار درهم، بارتفاع 12.2 في المائة في نسختها الداخلية، و8 في المائة في تلك المحصلة عند الاستيراد. أما الضريبة الداخلية على الاستهلاك فستدر، حسب التوقعات، 47.8 مليار درهم، منها 23.3 مليار درهم من المنتجات الطاقية وحدها.
بمعنى آخر، بينما تمد الدولة يدها إلى جيبها كي تعيد للمواطن جزءا من المال في شكل دعم وإعفاءات وتحمّل لفواتير الكهرباء، تمد اليد الأخرى إلى السوق كي تحصل على موارد إضافية من الاستهلاك نفسه.
اللحوم تقدم مثالا أوضح، وربما أكثر إزعاجا. فحين ارتفعت الأسعار في السنوات الماضية، قيل لنا إن الجفاف أضعف القطيع الوطني، وإن استيراد الأبقار والأغنام واللحوم إجراء استثنائي ومؤقت حتى يستعيد الإنتاج المحلي عافيته. ثم مرت السنوات، وأصبح الاستثناء نفسه جزءا من السياسة العامة.
تسجل الوثائق الرسمية المرافقة لمشروع مالية 2027 أن سعر لحم الأغنام بالتقسيط وصل في ماي الماضي إلى ما بين 160 و200 درهم للكيلوغرام، بعدما كان في بداية 2025 في حدود 97 درهما. والحل الذي يقترحه المشروع هو مواصلة إعفاء استيراد المواشي واللحوم من الرسوم الجمركية في 2027، وفوق ذلك تحويل الإعفاء من الضريبة على القيمة المضافة عند استيراد الأبقار والأغنام والماعز والجمال ولحومها وأحشائها إلى إجراء دائم.
لا يمكن الجزم بكون الدولة تخلت رسميا عن القطيع الوطني؛ فالوثائق الرسمية تتحدث بإسهاب عن إعادة بنائه. لكن مشروع المالية يقول لنا: لا تنتظروا أن تعود السوق، في الأجل القريب على الأقل، إلى الحالة التي كانت عليها قبل الأزمة؛ سنستورد كي نتعايش مع العجز إلى أن يحدث ذلك.
نحن لا نهزم الغلاء حين نرفع المعاش كي يستطيع المتقاعد شراء الكيلو نفسه من اللحم الذي تضاعف ثمنه. ولا نهزم الغلاء حين ندفع عن الأسرة فاتورة كهربائها الصغيرة بينما تواصل دفع تكلفة أعلى للنقل والغذاء. ولا نصلح سوق المحروقات لمجرد أننا نأخذ ضريبة أكبر من الشركة التي تحقق مائة مليون درهم من الربح الصافي.
نحن، في أحسن الأحوال، نعيد توزيع كلفة الغلاء بين المواطن والدولة والشركة.
المشكلة أن هذا النموذج قد يكون مريحا للجميع باستثناء من يموله في النهاية، والذي هو المواطن، دافع الضريبة ودافع كلفة الغلاء. الشركات تحتفظ بسوق مربحة، والخزينة ترى مواردها الجبائية ترتفع، والحكومة تستطيع أن تعلن كل سنة عن مليارات إضافية “لدعم القدرة الشرائية”، فيما يبقى المواطن محتاجا إلى تلك المليارات لأنه يشتري حاجياته بالأسعار التي أنتجت كل هذه الموارد والأرباح أصلا.
مشروع قانون المالية لسنة 2027 لا يصنع الغلاء، بالتأكيد، ولا يمكن تحميله مسؤولية كل الاختلالات التي راكمتها أسواقنا خلال سنوات. لكنه، في كثير من مقتضياته، يتصرف مع الغلاء كما لو أنه أصبح واحدا من المعطيات الثابتة التي يجب أن تبنى حولها السياسة الاجتماعية والجبائية، لا حالة استثنائية ينبغي أن تكون الأولوية هي تفكيك أسبابها وإعادة الأسعار التي يمكن إعادتها إلى مستويات معقولة.
لهذا يمكن اختصار جانب مهم من فلسفة هذه الميزانية في “حكمة” مفادها: بدل تدبير الخروج من الغلاء، لنمول القدرة على البقاء فيه… كي لا نقول “الاستمتاع به”.
تمويل الغلاء صوت المغرب.
تمويل الغلاء
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
صوت المغرب تمويل الغلاء
كانت هذه تفاصيل تمويل الغلاء نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

