اليكم الان حروب صغيرة والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس
ثمّة سؤال يستحقُّ أن نعلّقه على أبواب بيوتنا، وفي مداخل مؤسساتنا، وفوق مكاتبنا، وعلى المرايا التي نتأمّل فيها وجوهنا كلّ صباح: لماذا تبدو حروبنا بيننا صغيرة إلى هذا الحدّ؟ لماذا نستهلك كلّ هذا الذكاء في تدبير الأذى، وكلّ هذا الوقت في مراقبة الآخرين، وكلّ هذه الطاقة في حفر الحُفَر لبعضنا، ثمّ نشكو قلّة الوقت وضيق الإمكانات وصعوبة الحياة؟
ما الذي يجعل إنسانًا يستيقظ في الصباح، فيجد أنّ أهمّ مشروع ينتظره ليس تحسين حياته، ولا تطوير عمله، ولا إصلاح ما أفسده بالأمس، وإنّما البحث عن حجر جديد يضعه في طريق غيره؟ وأيّ انتصار عظيم يحقّقه المرء حين ينجح في تعطيل زميل، أو إحراج جار، أو تشويه سمعة صديق، أو إفساد فرصة على شخص لم يرتكب في حقّه جريمة سوى أنّه حاول أن يتقدّم خطوة؟
أمّة تحلم بالقمم وتحترف حفر الحُفَر
لعلّنا نحتاج إلى الاعتراف بأنّ بعضنا لا يخوض حروبًا دفاعًا عن المبادئ، ولا حمايةً للمصالح الكبرى، ولا انتصارًا للعدل. إنّنا نخوض أحيانًا معارك صغيرة لأنّ نفوسنا لا تتّسع لمعارك أكبر، ولأنّ مواجهة عيوبنا تتطلّب شجاعة قد لا نملكها، فنفضّل الانشغال بنجاح الآخرين؛ فهو أقلّ كلفة، وأكثر تسلية، ولا يفرض علينا مراجعة أنفسنا.
والغريب أنّ حفر الحُفَر أصبح عند البعض اختصاصًا دقيقًا يحتاج إلى مهارات استثنائية. فالحفرة الناجحة، في عرف هؤلاء، لا ينبغي أن تظهر للعين، ولا أن تحمل توقيع صاحبها. يكفي أن يزرع المرء شكًّا في مجلس، أو يهمس بملاحظة في أذن مسؤول، أو ينقل نصف جملة ويحذف نصفها الآخر، ثمّ ينسحب في هدوء، تاركًا صاحبها يتعثّر في طريق لم يكن يعرف أنّ أحدًا حوّله إلى حقل ألغام.
وللحفّارين، بطبيعة الحال، أخلاقهم المهنيّة الخاصة، ومعجمهم الذي يمنح الأذى أسماء محترمة. فهم لا يقولون إنّهم يحسدون أحدًا؛ إنّما “يخشون عليه من الغرور”. ولا يعترفون بأنّهم يريدون تعطيله؛ إنّما “يتحرّكون بدافع الحرص على المصلحة العامّة”.
نحفر لبعضنا… ثمّ نبحث عن الطريق
تأخذ هذه الحروب الصغيرة في مؤسساتنا طابعًا أكثر تنظيمًا، وتكتسب أحيانًا مظهرًا إداريًّا يوحي بالجدّية والانضباط. فقد يجلس أشخاص حول طاولة واحدة، يحملون الملفّات نفسها، ويتقاضون رواتبهم من المؤسسة نفسها، ويردّدون في الاجتماعات عبارات التعاون وروح الفريق، ثمّ يعود كلّ واحد منهم إلى مكتبه ليفكّر في الطريقة الأنسب لتعطيل الآخر.
ومن فرط حرصهم على نجاح المؤسسة، يحرص بعضهم على ألّا ينجح فيها أحد أكثر منه. يُخفي أحدهم معلومة يحتاج إليها زميله، ثمّ يسأله عن سبب التأخّر.
ويؤخّر آخر توقيعًا ضروريًّا، ثمّ يتحدّث في الاجتماع عن ضعف سرعة الإنجاز. ولعلّ أكثر ما يدعو إلى السخرية أنّ بعض المؤسسات لا تعاني نقصًا في الكفاءات بقدر ما تعاني وفرةً في المهارات التي يخصّصها أصحابها لتعطيل الكفاءات.
فهناك من لا يعرف كيف ينجز مشروعًا، ويعرف بدقّة كيف يؤخّر إنجازه. وهناك من يعجز عن تقديم فكرة جديدة، ويبرع في اكتشاف عشرة أسباب لرفض فكرة غيره. ولو خصّصنا نصف الجهد الذي نبذله في عرقلة بعضنا لبناء شيء مشترك، لربّما تغيّرت أحوال كثيرة؛ فالبناء يتطلّب صبرًا وتعاونًا واعترافًا بفضل الآخرين، أمّا الهدم فيمنح صاحبه متعة فوريّة، ويتيح له أن يشعر بالقوّة دون أن يتحمّل مشقّة الإنجاز.
من هنا تبدأ مأساتنا الصغيرة: نخلط بين التقدّم والتغلّب، وبين المنافسة والعداوة، وبين الاختلاف والكراهية. لا يكفينا أن ننجح؛ نريد أن يفشل غيرنا أيضًا.
أخطر أعداء النجاح… الذين يعملون إلى جوارك
والأشدّ إيلامًا أنّ هذه الحروب لا تُفسد العلاقات فحسب؛ إنّها تُهدر الكفاءات، وتُطفئ الحماسة، وتُجهض المبادرات. فكم من موهبة خبا بريقها لأنّ محيطها ضاق بتميّزها؟ وكم من فكرة وأدها أصحاب القرار لأنّهم اهتمّوا باسم صاحبها أكثر من قيمتها؟ وكم من إنسان استنزف نصف طاقته في العمل، ونصفها الآخر في الدفاع عن نفسه أمام من يُفترض أن يتعاونوا معه؟
وهكذا يتعلّم الطموحون أن يكبحوا طموحهم، وأن يُخفوا أفكارهم، وأن يتجنّبوا المبادرة اتّقاءً للغيرة والخصومات.
ومع الوقت، لا نخسر فرص الإنجاز وحدها؛ نفقد الثقة التي يقوم عليها كلّ عمل مشترك، ثمّ نشكو غيابها كأنّنا لم نُسهم في تقويضها. وتبقى المفارقة الأشدّ مرارةً: لماذا يؤلمنا نجاح الآخرين أكثر ممّا يؤلمنا تعثّرنا؟ ولماذا نرى في تقدّمهم انتقاصًا من مكانتنا، فنُنفق في عرقلتهم من الجهد ما يكفي لصناعة نجاحنا؟ فالذي يعرف قدر نفسه لا يحتاج إلى الحطّ من قدر غيره، والذي يملك مشروعًا يستحقّ السعي لا يُهدر عمره في محاربة مشاريع الآخرين.
أمّا من يجعل مراقبة الناس وإحباط مساعيهم شغله الشاغل، فقد ينتصر في خصومة عابرة، لكنّه يخسر معركته الأهمّ: أن يصنع لحياته قيمةً لا تقوم على تعثّر الآخرين.
لماذا لم نصل بعد؟
لعلّ الجواب أبسط ممّا نظنّ، وأقسى ممّا نحبّ أن نعترف به: لقد أتقنّا حفر الطريق أكثر ممّا أتقنّا السير فيه، وأمضى بعضنا عمره يحارب وصول الآخرين، حتى نسي أنّ له وِجهةً ينبغي أن يصل إليها. وحين تنتهي هذه الحروب الصغيرة، لن يسألنا الزمن عن عدد الذين عرقلنا خطواتهم، ولا عن الحفر التي نجحنا في إخفائها، ولا عن الخصومات التي خرجنا منها منتصرين.
سيسألنا عمّا بَنَيْنَاهُ، وعن الأثر الذي تركناه، وعن الفرص التي أحْسَنّا استثمارها، وعن الجسور التي ساعدنا غيرنا على عبورها. عندها قد نكتشف، بعد فوات الأوان، أنّنا لم نكن نحارب الآخرين بقدر ما كنّا نحارب مستقبلنا بأيدينا. فما أشدّ بؤس أمّة يحلم أبناؤها جميعًا بالوصول إلى القمّة، ثمّ يقضي بعضهم عمره في حفر الأرض تحت أقدام الآخرين! وما أشدّ مرارة أن نملك من الذكاء ما يكفي لحفر ألف حفرة، ولا نملك من الحكمة ما يكفي لبناء جسر واحد.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر
حروب صغيرة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
حروب صغيرة
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
هسبريس حروب صغيرة
كانت هذه تفاصيل حروب صغيرة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

