اليكم الان العرب والفلسطينيون في الولايات المتحدة والان إلى التفاصيل من المصدر بيروت تايمز
معتز فخرالدين *
لم يعد الحضور العربي والفلسطيني في الولايات المتحدة محصوراً في التظاهرات والاحتجاجات، ولا في ردود الفعل على السياسات الأميركية تجاه المنطقة. ثمة تحول يتقدم بصورة تدريجية، وينقل قطاعات من هذه الجاليات من موقع التعبير عن الموقف إلى محاولة التأثير في المؤسسات التي تصنع القرار. لم يكتمل هذا التحول بعد، لكنه بات أكثر وضوحاً في المشاركة الانتخابية، وفي وصول شخصيات من أصول عربية وفلسطينية إلى مواقع التمثيل السياسي.
لا يمكن تفسير ما يجري بانتخابات واحدة، أو ربطه حصراً بموجة الغضب التي أثارتها الحرب على غزة. نحن أمام حصيلة عمل سياسي ومدني وتنظيمي تراكم على مدى سنوات طويلة، وبدأت نتائجه تظهر في قدرة أبناء هذه الجاليات على خوض المنافسة السياسية والوصول إلى مواقع المسؤولية.
في انتخابات التجديد النصفي التي جرت في الثالث من تشرين الثاني 2026، برز عدد من المرشحين ذوي الأصول العربية والفلسطينية. فاز عبد الرحمن السيد، الطبيب الأميركي من أصول مصرية، بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح أول مسلم يُنتخب لعضوية المجلس في تاريخ الولايات المتحدة. وفاز آدم حماوي، الجراح الأميركي من أصل مصري، بمقعد مجلس النواب عن الدائرة الثانية عشرة في نيوجيرسي، ليكون أول مسلم يمثل الولاية في الكونغرس.
وفي المجالس التشريعية للولايات، فازت عبير قواس، ابنة لاجئين فلسطينيين، بمقعد في مجلس شيوخ ولاية نيويورك عن الدائرة الثانية عشرة. كما فازت روى رمان، الفلسطينية الأميركية المولودة في عمّان، بمقعد مجلس شيوخ ولاية جورجيا عن الدائرة السابعة، لتكون أول أميركية من أصل فلسطيني تصل إلى هذا المجلس. وفي ميشيغان، فاز عباس علوية، اللبناني المولد وأحد مؤسسي حركة «غير الملتزمين»، بمقعد في مجلس شيوخ الولاية عن الدائرة الثانية التي تضم مدينة ديربورن. وإلى جانب هذه الأسماء، أعيد انتخاب دارين لحود، الجمهوري من أصل لبناني، عن الدائرة السادسة عشرة في ولاية إلينوي.
لا تكمن أهمية هذه النتائج في أصول الفائزين وحدها، بل في اتساع قدرة أبناء هذه الجاليات على دخول المنافسة السياسية والوصول إلى مواقع تشريعية. ومن الضروري هنا عدم الخلط بين الهوية العربية والفلسطينية والإسلامية. فهي هويات قد تتقاطع، لكنها ليست مترادفة، كما أن الانتماء إلى أصل عربي لا يعني بالضرورة تبني موقف سياسي واحد أو الانضواء في اتجاه حزبي محدد.
واللافت أن هذا الحضور لم يعد محصوراً في الحزب الديمقراطي، رغم أن معظم الأسماء التي برزت في الانتخابات الأخيرة تنتمي إليه. فوجود شخصيات عربية في مواقع جمهورية أيضاً يؤكد أن الجاليات العربية ليست كتلة سياسية متجانسة، وأن أبناءها يتحركون داخل الحياة الحزبية الأميركية بتنوع توجهاتهم ومصالحهم. وهذا أمر مهم، لأن الوصول إلى التأثير لا يكون بالضرورة من خلال حزب واحد، بل عبر القدرة على بناء علاقات وقنوات تواصل مع مختلف مراكز الحياة السياسية.
لكن هذه النتائج لم تأت من فراغ. فمنذ عقود، أخذت مؤسسات عربية أميركية تعمل على تنظيم المشاركة المدنية والسياسية، ومواجهة التمييز، وتعريف المجتمع الأميركي بقضايا العرب، وبناء قنوات تواصل مع المؤسسات الرسمية والحزبية. تأسس المعهد العربي الأميركي عام 1985، ثم أُطلقت مؤسسته المدنية عام 1995 لتوسيع المشاركة في الحياة العامة. ومنذ عام 1998، تعمل حملة «يلا فوت» على تسجيل الناخبين العرب وتوعيتهم وتشجيعهم على المشاركة، فيما تأسست اللجنة العربية الأميركية للعمل السياسي في ميشيغان في العام نفسه، بهدف تنظيم النشاط السياسي ودعم المرشحين والتواصل مع أصحاب البرامج المتوافقة مع مصالح المجتمع العربي الأميركي.
هذه المؤسسات لم تنتظر الانتخابات كي تتحرك، ولم تختزل العمل السياسي في إصدار بيان أو تنظيم تظاهرة. عملها مستمر طوال العام، من متابعة قضايا الناخبين وتوفير المعلومات إلى بناء العلاقات مع المرشحين والأحزاب، وتشجيع أبناء الجالية على خوض الانتخابات والمشاركة في الحياة العامة.
وهنا يكمن الفارق بين حضور اجتماعي واسع وقوة سياسية منظمة. فقد يكون المجتمع كبيراً، وقد تكون قضيته عادلة، وقد يملك القدرة على تحريك الشارع وإثارة اهتمام الإعلام، لكنه لا يتحول تلقائياً إلى قوة مؤثرة. يحتاج ذلك إلى عمل مستمر، ومعرفة بقواعد النظام السياسي، وكوادر قادرة على خوض الانتخابات والعمل داخل المجالس التشريعية. كما يحتاج إلى تحالفات لا تقوم بالضرورة على وحدة الأصل أو الدين، بل على تقاطع المصالح والبرامج.
ولعل ما يستحق الانتباه في التجربة الأميركية أن الأجيال الجديدة لم تعد ترى تعارضاً بين الحفاظ على جذورها العربية أو الفلسطينية وبين المشاركة الكاملة في المجتمع الذي تعيش فيه. فهي تخوض الانتخابات وتناقش قضايا السكن والتعليم والرعاية الصحية وتكاليف المعيشة والهجرة والحقوق المدنية، إلى جانب مواقفها من السياسة الخارجية. وهذا الاتساع في جدول الاهتمامات يمنحها قدرة على مخاطبة ناخبين من خلفيات مختلفة، ويجعل حضورها جزءاً من النقاش السياسي العام، لا مجرد تعبير عن مطالب جماعة ذات أصول مهاجرة.
أما القضية الفلسطينية، فقد اكتسبت حضوراً متزايداً في النقاش السياسي الأميركي، خصوصاً بعد الحرب على غزة وما رافقها من احتجاجات واسعة داخل الجامعات والمدن الأميركية. وأسهمت مواقف عدد من المرشحين وتجاربهم المباشرة في غزة في توسيع هذا النقاش، كما ظهر في حملة آدم حماوي، الذي شارك في بعثات طبية إلى القطاع قبل دخوله المعترك الانتخابي.
لكن من الخطأ تفسير نتائج الانتخابات باعتبارها تصويتاً جماعياً على فلسطين، أو افتراض أن الناخب العربي أو المسلم يختار مرشحه على أساس السياسة الخارجية وحدها. فالاعتبارات الاقتصادية والاجتماعية والخدمات العامة والحقوق والحريات حاضرة بقوة في خيارات الناخبين، مثلما هي حاضرة لدى سائر الأميركيين.
هذه مسألة أساسية في فهم طبيعة التأثير السياسي. فالدفاع عن القضية الفلسطينية لا يتحقق بعزلها عن بقية اهتمامات المجتمع الذي نتوجه إليه، بل بإظهار صلتها بمبادئ العدالة والحقوق والمساواة. وتوسيع دائرة الحلفاء لا يعني التخلي عن الموقف أو التخفيف منه، بل معرفة كيف نخاطب الآخرين ونقنعهم، وكيف نحول قضايانا إلى جزء من النقاش العام، لا أن تبقى محصورة في أوساط المتضامنين معها.
مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين التمثيل السياسي وامتلاك النفوذ. فالفوز بمقعد في مجلس تشريعي يفتح باباً مهماً، لكنه لا يعني أن صاحبه بات قادراً وحده على تغيير السياسة الخارجية أو التأثير الحاسم في مراكز القرار. النفوذ يحتاج إلى شبكة أوسع من العلاقات والمؤسسات، تشمل جماعات الضغط ومراكز الأبحاث والموارد المالية والحضور الإعلامي والقدرة على متابعة الملفات وصياغة البدائل والتأثير في الرأي العام. وهذه أمور لا تُبنى في موسم انتخابي، ولا تتحقق لمجرد وصول عدد من أبناء الجالية إلى مواقع المسؤولية.
لذلك، فإن الأهمية الحقيقية لهذه النتائج تكمن في أنها توسع قاعدة المشاركة وتضيف خبرات جديدة إلى العمل السياسي، لا في أنها تقلب موازين النفوذ رأساً على عقب. فالسياسات الأميركية، ولا سيما ما يتصل بفلسطين والمنطقة العربية، ما زالت محكومة بمصالح استراتيجية وتحالفات راسخة وقوى ضغط ذات خبرة طويلة. لكن دخول أصوات جديدة إلى المؤسسات يتيح فتح نقاشات كانت مهمشة، ويمنح المجتمعات المعنية قدرة أكبر على عرض مواقفها ومساءلة ممثليها.
وهنا يبرز سؤال يتجاوز التجربة الأميركية نفسها: لماذا استطاعت قطاعات من الجاليات العربية أن تبني أدوات للمشاركة والتأثير في بلد الهجرة، بينما ما زال العمل العربي المشترك عاجزاً عن بناء مؤسسات مماثلة للدفاع عن المصالح العربية؟
ليس الجواب أن المجتمع الأميركي مثالي، أو أن مؤسساته محايدة تماماً. فالتمييز والعنصرية واختلال موازين النفوذ موجودة، والجاليات العربية نفسها واجهت وتواجه أشكالاً من الإقصاء والتشكيك والضغط. لكن النظام السياسي يتيح، رغم تناقضاته، مساحات قانونية ومدنية يمكن استثمارها في التنظيم والمنافسة والمحاسبة. يستطيع المواطن أن يسجل اعتراضه، وينظم حملته، ويدعم مرشحاً، ويخوض الانتخابات، ويطالب ممثليه بتقديم حساب عن أدائهم.
هذه الآليات لا تعمل وحدها، ولا تضمن العدالة تلقائياً، لكنها تمنح المجتمع أدوات يستطيع استخدامها. أما في أجزاء واسعة من العالم العربي، فما زالت العلاقة بين المواطن والدولة تعاني اختلالاً عميقاً. حين تُختزل الدولة في السلطة، وتُضعف المؤسسات المستقلة، وتُقدَّم الولاءات الطائفية والفئوية على المواطنة المتساوية، لا يفقد المواطن حقه في المشاركة فحسب، بل يفقد المجتمع أيضاً القدرة على تنظيم مصالحه وتحويلها إلى قوة عامة.
المشكلة العربية، إذاً، ليست فقط في غياب التنسيق بين الحكومات، أو في ضعف أدوات الضغط على القوى الدولية. إنها أعمق من ذلك، وتتصل بطبيعة الدولة وبالعلاقة بين السلطة والمجتمع. فالدولة التي نحتاج إليها هي التي يكون مواطنوها شركاء في تقرير خياراتها، وتكون مؤسساتها قادرة على حماية المصالح العامة واستمرار السياسات بعيداً عن إرادة الأشخاص وتقلبات السلطات. ومن دون بناء هذه الدولة، يبقى الحديث عن مشروع عربي مشترك أقرب إلى التمني منه إلى برنامج قابل للتنفيذ.
لا أدعو إلى نقل التجربة الأميركية كما هي إلى مجتمعاتنا، فلكل بلد شروطه وتاريخه وبنيته السياسية. لكن ما يمكن الاستفادة منه واضح. لا تتحول المطالب إلى قوة سياسية من دون عمل منظم، ولا يصبح الحضور مؤثراً لمجرد اتساعه، ولا يكفي أن نملك قضية عادلة إذا لم نملك الأدوات التي تحملها وتدافع عنها وتتابعها.
القضية الفلسطينية، كما سائر القضايا العربية، تحتاج إلى أكثر من التضامن اللفظي والاحتجاج عند كل أزمة. تحتاج إلى معرفة بالمجتمعات التي نتوجه إليها، وإلى مؤسسات تتابع وتخطط وتبني التحالفات، وإلى أشخاص يمتلكون الخبرة والقدرة على العمل داخل المؤسسات التي تتخذ القرارات.
ما أظهرته الانتخابات الأميركية الأخيرة ليس أن العرب أصبحوا أصحاب القرار، ولا أن موازين التأثير قد تغيرت لمصلحتهم، بل أن بعض أبناء الجاليات العربية بدأوا ينتقلون من موقع الاعتراض على السياسات إلى محاولة التأثير في صياغتها. وهذا تطور يستحق الاهتمام، لأنه يفتح أمامنا نقاشاً أوسع حول معنى المشاركة السياسية وأهمية المؤسسات.
في النهاية، لا أعتقد أن السؤال هو كم مقعداً فاز به مرشحون من أصول عربية أو فلسطينية، بل ماذا فعل هؤلاء للوصول إلى تلك المقاعد، وما الذي يمكن أن نتعلمه من العمل الذي سبق فوزهم. فالأمم لا تحمي مصالحها بالغضب وحده، ولا يكفي أن تكون محقة في مواقفها كي تصبح قادرة على فرض حضورها. ما يصنع الفارق هو أن تمتلك المؤسسات والكفاءات والتنظيم الذي يحوّل الموقف إلى فعل، والاعتراض إلى تأثير مستمر.
* كاتب وباحث سياسي
العرب والفلسطينيون في الولايات المتحدة
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
بيروت تايمز العرب والفلسطينيون في الولايات المتحدة
كانت هذه تفاصيل العرب والفلسطينيون في الولايات المتحدة نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على بيروت تايمز و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

