اخبار محلية النفط مقابل المرتبات.. مدخل إلى اتفاق اقتصادي برسم الأطراف اليمنية

النفط مقابل المرتبات مدخل إلى اتفاق اقتصادي برسم الأطراف اليمنية


اليكم الان النفط مقابل المرتبات.. مدخل إلى اتفاق اقتصادي برسم الأطراف اليمنية والان إلى التفاصيل من المصدر 26 سبتمبر نت

عبدالله الصبري: الملخص التنفيذي:  

تتناول هذه الورقة أحد أكثر الملفات إلحاحـًا في اليمن، المتمثلة في أزمة توقف تصدير النفط وانعكاساتها المباشرة على المالية العامة ومرتبات موظفي القطاع العام، فمنذ أكتوبر 2022 توقفت صادرات النفط والغاز اليمنية، ما أدى إلى فقدان أحد أهم مصادر الإيرادات العامة والنقد الأجنبي، في وقت تواجه فيه البلاد انقسامًا اقتصاديًا ومؤسسيًا حادًا، وتحديات إضافية مرتبطة بالحصار وتكاليف الصراع المستمر، وقد ترتب على ذلك تفاقم أزمة المرتبات، وتراجع قدرة المؤسسات العامة على أداء وظائفها، وتزايد الضغوط المعيشية على ملايين اليمنيين.

وعلى رغم محدودية الإنتاج النفطي مقارنة بالدول المنتجة الكبرى، ظل النفط قبل الحرب يشكل المصدر الرئيس للإيرادات العامة؛ إذ أسهم بما يقارب 70% من موازنة الدولة، ومن ثم فإن استمرار تجميد هذا المورد الاستراتيجي يعمق حالة استنزاف اقتصادي لجميع الأطراف، ويحول دون الاستفادة من مورد يمكن بواسطته توفير تدفقات مالية سريعة ومستدامة نسبيـًا مقارنة بالمساعدات والمنح الخارجية.

وتستعرض الورقة الجهود السابقة لمعالجة الأزمة الاقتصادية، بدءًا من الترتيبات التي طُرحت خلال مشاورات ستوكهولم عام 2018، التي قامت على تخصيص إيرادات موانئ الحديدة لصرف مرتبات موظفي الدولة، مرورًا بالمبادرات اللاحقة المتعلقة بتوحيد إدارة البنك المركزي أو تشكيل آليات مشتركة لإدارة الملف الاقتصادي، إلا أن تلك المبادرات لم تنجح في الوصول إلى حلول عملية ودائمة؛ نتيجة استمرار الانقسام السياسي وغياب التوافق حول إدارة الموارد والإيرادات السيادية.

وتشير الورقة إلى وجود فرصة جيوسياسية واقتصادية مهمة أمام اليمن في المرحلة الراهنة، تتمثل في إمكانية استئناف تصدير النفط والغاز في ظل ارتفاع الطلب العالمي على مصادر الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد في منطقة الخليج؛ إذ تتمتع الموانئ اليمنية بميزة استراتيجية لأنها تقع على البحر الأحمر وبحر العرب، بما يسمح بتصدير النفط بعيدًا عن التعقيدات المرتبطة بمضيق هرمز؛ الأمر الذي يمنح النفط اليمني ميزة تنافسية إضافية في الأسواق الإقليمية والدولية.

وانطلاقًا من ذلك، تناقش الورقة ثلاثة بدائل رئيسة لإدارة الإيرادات النفطية وتمويل المرتبات، ويتمثل البديل الأول في إنشاء صندوق وطني مشترك للمرتبات تودع فيه عائدات النفط والغاز وتخصص لصرف الرواتب وفق آلية متفق عليها، أما البديل الثاني فيقوم على إنشاء شركة مساهمة عامة مشتركة لإدارة الموارد النفطية وتسويقها وتوزيع عوائدها وفق أسس شفافة وعادلة، بينما يتمثل البديل الثالث في تشكيل لجنة اقتصادية مشتركة تتولى إدارة الملفات الاقتصادية العاجلة، وفي مقدمها المرتبات وإعادة تصدير النفط وتوحيد السياسات المالية والنقدية.

وترجح الورقة البديل الثالث المتمثل في تشكيل لجنة اقتصادية مشتركة، بوصفه الأكثر واقعية وقابلية للتنفيذ في المدى القريب، والأقدر على معالجة أزمة المرتبات بصورة عاجلة، مع توفير إطار مؤسسي لمعالجة ملفات اقتصادية أوسع، كما أن هذا الخيار يشكل مدخلًا مناسبـًا لاتفاق اقتصادي شامل يسبق التسوية السياسية الشاملة، ويؤسس لإدارة مشتركة وعادلة للموارد السيادية.

وتخلص الورقة إلى أن استئناف تصدير النفط وربط عائداته بآلية شفافة لصرف المرتبات يمثل حجر الأساس لأي مسار اقتصادي جاد، وأن تحييد الاقتصاد عن الصراع السياسي بات ضرورة وطنية ملحة، ليس فقط لمعالجة الأزمة الإنسانية، بل أيضًا لتهيئة الظروف اللازمة للتعافي الاقتصادي والاستقرار المستدام في اليمن.

مقــدمة:

تعيش اليمن ظروفًا اقتصادية غاية في التعقيد، وعلى رغم التهدئة العسكرية منذ 2022، إلا أن التباطؤ الشديد في معالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية ألقى بظلاله القاتمة على حياة الملايين ومعيشتهم، وفاقم من معدلات الفقر والبطالة والتضخم، وكلها مؤشرات تنذر بانهيار شامل ما لم تتدارك الأطراف الأمر، وتتقارب حول حلول عاجلة تقوم على المصلحة المشتركة والمنافع المتبادلة، التي يقتضيها التفكير الرشيد والعقلاني.

في هذه الورقة يحاول الباحث تقديم مقترحات عملية قد تساعد على اتفاق اقتصادي من شأنه وقف التدهور المتصاعد، والبناء على النجاحات والاختراقات السابقة التي جرى التوصل إليها، لا سيما على صعيد تبادل الأسرى والمفقودين.

وتتناول الورقة طبيعة الأزمة الراهنة، وجهود الأمم المتحدة ومقترحاتها، بخصوص الأزمة الاقتصادية، مع الإشارة إلى المبادرات المطروحة من قبل، التي تتمحور حول صيغة النفط مقابل المرتبات إطارًا للحل الاقتصادي، كما يقدم الباحث عددًا من البدائل التي توفر الفرصة أمام صانع القرار للاختيار فيما بينها، أو المزج بين أكثر من بديل بحسب ما تفضي إليه المفاوضات بشقيها السياسي والفني.

تشير الورقة إلى الأزمة الاقتصادية وارتفاع أسعار النفط -عالميًا- جراء الحرب العدوانية على إيران، وحصار مضيق هرمز، وحاجة الدول المستوردة للنفط والغاز إلى مصادر ومسارات خارج منطقة الخليج، وهذا ما يمنح النفط اليمني فرصة جيوسياسية غير مسبوقة، وفي إطار تعزيز واقعية الحلول والبدائل المقترحة، تشير الورقة إلى جانب من التجربة الليبية؛ إذ توصلت الأطراف إلى اتفاق على تقاسم الإيرادات النفطية والإدارة المشتركة لها، وهذا ما قد يشجع الأطراف اليمنية على نقل التجربة والاستفادة منها مستقبلًا.

أولا: طبيعـة الأزمة الـراهنة ومستجداتها:  

يواجه اليمن منذ أربعة أعوام أزمة مالية غير مسبوقة؛ نتيجة توقف تصدير النفط، واعتماد حكومة عدن على الودائع المالية السعودية، وفي الوقت نفسه ما يزال الحصار يفرض أعباء مضافة على اقتصاد حكومة صنعاء وإيراداتها، بالإضافة إلى كلفة المواجهة العسكرية خلال معركة طوفان الأقصى وإسناد غزة منذ أواخر 2023. وبدأ توقف تصدير النفط في أكتوبر 2022، بعد هجمات شنتها قوات صنعاء على مينائي النشيمة وقنا في محافظة شبوة، وميناء الضبة بمحافظة حضرموت شرقي البلاد، وذلك بهدف منع نهب النفط وثروة الشعب اليمني، التي تستغلها الأطراف الأخرى لصالح القوى المتنفذة.

وعلى رغم محدودية إنتاج اليمن من النفط والغاز إلا أن الإيرادات النفطية كانت تشكل نحو 70% من موازنة الدولة ما قبل الحرب، وأدى توقف تصدير النفط إلى خسارة حكومة عدن نحو 6 مليارات دولار خلال عامين فقط1، واتجهت عدن إلى الاعتماد على الدعم المالي الخارجي وسيلة وحيدة لإنقاذ الاقتصاد، ما فاقم من الأزمة الإنسانية، وفرض حالة من التردي الاقتصادي، شملت ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وزيادة معدلات الجوع، وسط انخفاض متصاعد في تمويل خطة الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة، وتعليق المساعدات الغذائية في معظم مناطق البلاد2 . فيما لا تزال مشكلة المرتبات حديث الناس في صنعاء على رغم التقدم الإيجابي في هذا الملف منذ سنتين، حينما أمكن لحكومة التغيير والبناء تأمين نصف راتب شهري لأغلب موظفي القطاع العام في المناطق المحررة.

وإذا كانت مشاورات السويد في 2018، قد شملت الملف الاقتصادي إلا أن الأمم المتحدة كانت ولا تزال تتعامل مع هذا الملف جزءًا من اتفاق سياسي أوسع، مع أن القرارات العدائية في الحرب الاقتصادية ليست أقل أهمية من وقف إطلاق النار العسكري3.

ثانيًا: محاولات الأمم المتحدة ومقترحاتها:  

اكتفت الأمم المتحدة ومبعوثوها بمحاولة البحث عن حل سياسي في اليمن، ولم تهتم بالمسألة الاقتصادية إلا أثناء مفاوضات السويد في نهاية 2018؛ إذ ظهرت النواة الأولى لفكرة “النفط مقابل المرتبات”. تدثرت الأمم المتحدة ثياب الإنسانية، وهي تفاوض على أساس الحيلولة دون استفادة حكومة صنعاء من إيرادات موانئ الحديدة، وقدمت مقترح أن تخصص هذه الإيرادات لصالح مرتبات موظفي القطاع العام في الجمهورية اليمنية، وهذا ما وافق عليه الوفد الوطني على رغم ما انطوى عليه المقترح من إجحاف كبير؛ إذ نص الاتفاق في هذه الجزئية على أن ” تودع جميع إيرادات موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى في البنك المركزي اليمني في فرعه الموجود في الحديدة للإسهام في دفع مرتبات موظفي الخدمة المدنية في محافظة الحديدة وجميع أنحاء اليمن “4. وعلى رغم فشل المشاورات الاقتصادية التي أعقبت الاتفاق، فقد أعلنت حكومة صنعاء في يونيو 2019 عن مبادرة من طرف واحد لتنفيذ الشق الخاص بالمرتبات، وإنشاء حساب خاص يستخدم لصرف المرتبات لكل اليمنيين، مع تحميل الأطراف الأخرى مسؤولية التهرب من تنفيذ الاتفاق، والتعنت في استخدام الورقة الاقتصادية أداة للحرب والحصار5.

 ولأن المبالغ المتوافرة في حساب المرتبات لم تصل الحد المطلوب، فقد ظلت مبادرة صنعاء معلقة، وبقيت أزمة مرتبات الموظفين على حالها، واتجهت الأطراف فيما بعد إلى معالجات أحادية عززت الانقسام السياسي والاقتصادي، وأدت إلى افتراق واضح في إدارة الاقتصاد بين سياسة حمائية انتهجتها صنعاء وحافظت فيها على الحد الأدنى من مقومات الأمن الاقتصادي، وبين سياسة فوضوية في عدن فاقمت من الأزمة الاقتصادية، وأدت إلى اشتعال احتجاجات عنيفة في عدد من المدن اليمنية جنوبي البلاد.

في هذه الأثناء اقترح مارتن غريفتث المبعوث الأممي السابق إلى اليمن توحيد إدارة البنك المركزي، وتشكيل لجنة مشتركة بين الطرفين لإدارة الملف الاقتصادي، وهو المقترح الذي كان من المقرر إدراجه فيما يسمى بالإعلان المشترك، الذي كانت تشتغل عليه الأمم المتحدة في 2020 ولم يرَ النور6.

ثالثًا: الفرصة الجيوسياسية للنفـط اليمني:

في الوقت الذي ارتفعت فيه أسعار النفط عالميًا بسبب تداعيات الحرب على إيران وأزمة مضيق هرمز التي أدت إلى اضطراب سلاسل الإمداد، يمكن لليمن أن يستفيد على نحو كبير في حال تمت الموافقة على استئناف تصدير المنتجات النفطية؛ ذلك أن موانئ اليمن التي يمكن تصدير النفط والغاز بواسطتها ليست مرتبطة جغرافيـًا بمضيق هرمز، كذلك فإن الدول التي يمكنها أن تستورد النفط اليمني لا تحتاج ناقلاتها للمرور خلال مسرح عمليات الحرب في منطقة الخليج.

فموانئ الحديدة مثلًا ومصفاة رأس عيسى تقع كلها على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وبواسطتها يجري تصدير النفط القادم من مأرب، كذلك فإن مينائي الضبة والنشمة لتصدير النفط والغاز يقعان على ساحل بحر العرب.

أضف إلى ذلك، فإن الدول الآسيوية التي يمكنها استيراد النفط اليمني مثل الهند والصين تعد قريبة نسبيًا من سواحل اليمن، ويعد نفط اليمن خيارًا مثاليا لها. الدول الأوروبية هي الأخرى قد تدخل خط التنافس على النفط اليمني، الذي لا تحتاج رحلته إلى أوروبا مسافة طويلة، بعد أن اختصرت قناة السويس الزمن بين البحرين الأحمر والأبيض المتوسط.

وإن من شأن استئناف تصدير النفط اليمني على المدى القريب الاستفادة المثلى من الأسعار المرتفعة للمنتجات النفطية عالميًا، وإعادة النظر في بعض الاتفاقيات السابقة المجحفة بحق الشعب اليمني.

إلى ذلك، فإن بقاء الموارد تحت التجميد والشعب اليمني في أشد الحاجة إليها تعمق معادلة خاسر/ خاسر، وذلك على عكس الحال فيما إذا جرى التوافق على آلية مشتركة لتصدير النفط والغاز من جديد، ويغدو معها الجميع رابح/ رابح.

رابعًا: النفط مقابل المرتبات… الإطار المقترح:

تقوم هذه الفكرة – التي تدور حولها الحلول المقترحة للأزمة الاقتصادية اليمنية – على عدة مبادئ حاكمة، من ضمنها: 

تحييد الملف الاقتصادي عن الصراع السياسي.

اعتبار المرتبات حقًا للمواطن لا أداة ضغط.

ثروات الشعب اليمني هي ملك للشعب اليمني.

الشفافية الكاملة في إدارة الإيرادات، والرقابة المشتركة.

ولأن الثروة النفطية هي ملك للشعب اليمني، فإن إيرادات الدولة من النفط يجب أن تتجه في البدء إلى بند المرتبات، عن طريق آلية عملية مصحوبة بقدر كبير من الشفافية فيما يتعلق بالإيرادات والمصروفات، وفوق ذلك فإن استعادة تصدير النفط والغاز سيكون لها أثر كبير في تعافي الوضع الاقتصادي، وستعود إيرادات الدولة من النقد الأجنبي التي تتدفق للبنك المركزي، بما يمكنه من مواجهة انهيار سعر صرف الريال مقابل العملات الأجنبية، والحد من التضخم، وهذا ما يؤكده خبراء اقتصاديون7. والأهم من ذلك أن النفط يمثل المورد الوحيد القادر على توفير تدفقات نقدية كبيرة وسريعة نسبيًا وغير مشروطة، مقارنة بالمساعدات الأممية والمنح الخارجية والموارد الأخرى.

إضافة إلى ذلك، فإن الإدارة الرشيدة للموارد النفطية من شأنها تعزيز استقلالية القرار اليمني، والحد من الخضوع للتدخلات الخارجية، الناجمة عن المساعدات والمنح المالية السعودية أو الإماراتية، التي تعبر عن حالة صارخة من العمالة والارتزاق، فوق ما تنطوي عليه من فساد ولصوصية على حساب المصلحة الوطنية.

وكانت مصادر صحفية قد كشفت في يوليو 2024 عن مشاورات يمنية جدية؛ بهدف الحد من التصعيد الاقتصادي، على أساس أن تسمح صنعاء باستئناف تصدير النفط تحت إشراف الطرف الآخر، مقابل الالتزام بسداد فاتورة المرتبات لكل اليمنيين، على أن تكون الرياض الضامن للاتفاق8.

ولأن هذه المشاورات قد توقفت لأسباب غير معلنة، فبالإمكان الانطلاق منها والبناء عليها مستقبلًا، ولعل هذا ما قصدته إزميني بالا المتحدثة باسم مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن، التي قالت مؤخرًا لـجريدة “الشرق الأوسط”: إن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمرًا أساسيًا لتعافي الاقتصاد، ومفتاحًا لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين9.

خامسًا: البدائل والسياسات المنظورة:

في يوليو 2023 توافقت الأطراف الليبية على آلية لتوزيع العائدات النفطية، وأعلن المجلس الرئاسي عن تشكيل “لجنة مالية عليا” مهمتها متابعة الإنفاق، وتشمل مهمات اللجنة “إقرار أوجه الإنفاق العام للدولة وأبواب الصرف وفقًا لمبدأ الرشد المالي والتوزيع العادل ومتابعة الإيرادات العامة للدولة؛ للتحقق من سلامة وكفاءة تحصيلها وفقًا للنظم المعمول بها”10. واليوم تجني ليبيا ثمار التوافق بشأن أهم مورد اقتصادي في البلاد، فقد عاد النفط الليبي إلى واجهة الاهتمام العالمي، مدفوعًا بتصاعد التوترات في مضيق هرمز، ما أعاد إلقاء الضوء على الدولة الواقعة في شمال إفريقيا بوصفها بديلًا استراتيجيًا للإمدادات القادمة من الخليج، على رغم استمرار الانقسامات السياسية والمخاطر الأمنية التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقد11.

ونظرًا للتشابه بين الأزمتين في اليمن وليبيا، وبناءً على النجاح الذي حققته الأمم المتحدة بعد أن أطلق المبعوث الأممي إلى ليبيا مسارًا منفصلًا للقضايا الاقتصادية، فمن المتوقع أن يحظى مسار مماثل في اليمن بالنجاح -أيضـًا- إذا توافرت الإرادة السياسية لدى مختلف الأطراف، ويمكن لهذه الأطراف أن تدرس البدائل المقترحة الآتية:

البديل الأول: صندوق وطني للمرتبات:

التوافق على إنشاء صندوق مشترك خاص بالمرتبات، تشرف عليه لجنة مشتركة من طرفي الحكومتين في صنعاء وعدن، ويكون الصندوق مختصًا بمتابعة التزامات كل طرف بشأن صرف مرتبات موظفي القطاع العام للدولة بحسب المتوافر من الإيرادات النفطية والغازية، ويكون للصندوق حساب بنكي مع ضمان دولي، ورقابة أممية، وتودع في الحساب جميع عائدات النفط والغاز، ثم توزع تلقائيًا وفق نسب محددة على المستوى المركزي والمحلي.

ومن مزايا هذا المقترح أنه مقبول شعبيًا، إضافة إلى أنه سهل التنفيذ ولا ينطوي على تعقيدات وتفاصيل قد تجلب المزيد من الخلافات.

البديل الثاني: إنشاء شركة مساهمة عامة لبيع النفط اليمني وتسويقه: 

 تقوم هذه الفكرة على أساس الإدارة المشتركة للثروة النفطية بواسطة شركة مساهمة عامة مختصة بالعناية بآبار النفط والغاز وما يتصل بها من منشآت وخطوط إنتاج، إضافة إلى بيع المنتجات النفطية وتسويقها، وتوزيعها على المساهمين وفق نسب محددة ومتوافق عليها.

ويمكن الاتفاق على نسبة من الأسهم لحكومتي صنعاء وعدن، ونسبة للمحافظات المنتجة، ونسبة أخرى لرجال الأعمال المستثمرين في القطاع النفطي، ويكون للشركة قانون خاص يتضمن مواد خاصة بالشفافية والحوكمة الرشيدة، وفي هذه الحالة ومع توافر الإيرادات ستكون المرتبات من مسؤولية كل طرف على حدة.

من ميزات هذا المقترح أنه يضمن العناية بالثروة السيادية وفق إدارة اقتصادية علمية وفنية وآليات توزيع عادلة وتحت رقابة المجتمع، وشراكة القطاع الخاص، وعليه ستكون عملية صرف المرتبات مسألة مقدور عليها.  

علمـًا أن حكومتي صنعاء وعدن اتفقتا قبل الوحدة على إنشاء مشروع استثماري مشترك لإدارة الموارد النفطية وتوزيع الإيرادات على الشمال والجنوب12.

البديل الثالث: تشكيل لجنة اقتصادية مشتركة: 

وهذا هو الخيار الأكثر واقعية على رغم الصعوبات والمعوقات الكبيرة؛ لأنه يسمح بحلول عاجلة لمشكلة مرتبات الموظفين، ويفتح الباب أمام معالجات اقتصادية واسعة قد تمهد للحل السياسي الشامل.

 ومن هذه المعالجات التي يمكن للجنة المشتركة العمل عليها:

انتظام دفع مرتبات موظفي الدولة.

استئناف تصدير المنتجات النفطية، ووقف الاستيراد من الخارج.

إعادة وحدة البنك المركزي والنظام المصرفي المحلي، وربط اليمن مجددًا بالنظام المالي العالمي.

توحيد العملة الوطنية وفق رؤية سياسية نقدية.

التوزيع العادل للإيرادات.

ضمان استمرار وزيادة المساعدات الإنسانية.

الإشراف على إعادة الإعمار. 

ومن مزايا هذا الخيار – الذي من شأنه إنهاء الانقسام الاقتصادي، ووضع حد لانهيار الأوضاع الإنسانية – أنه يؤسس لمرحلة من التعافي الاقتصادي، حتى قبل التوصل إلى اتفاق سلام شامل.

سادسًا: نحو اتفاق اقتصادي شامل:  

من منطلق أهمية تحييد الاقتصاد في الصراعات الداخلية، ونظرًا لتراجع الإيرادات يومًا بعد آخر، والعجز المستمر في صرف مرتبات موظفي القطاع العام، والتأثيرات السلبية في الحركة الاقتصادية للبلاد وفي المعيشة اليومية للملايين من أبناء اليمن، يتعين على كل الأطراف التقارب والتفاهم بشأن المعالجات الاقتصادية المشتركة، وإنجاز اتفاق اقتصادي شامل على غرار اتفاق تبادل الأسرى، الذي أمكن لكل الأطراف تجاوز الكثير من الصعوبات والعراقيل، والمضي في تنفيذه على مدى السنوات السبع الماضية التي أعقبت اتفاق السويد أواخر 2018.

ولعل كل الأطراف قد أدركت أن لا منتصر في هذه الحرب الاقتصادية، وأن المواطن هو الطرف الخاسر الحقيقي فيها، وقد حان الوقت للتدخل المسؤول من أجل حياة هذا المواطن، الذي لم يعد يحتمل الانتظار.

ويبرز قطاع النفط المورد الأهم والأكبر، الذي يمكن بواسطته إعادة تدوير عجلة الاقتصاد اليمني، لا سيما في هذا التوقيت الحساس من الأزمة الاقتصادية العالمية؛ إذ تتنافس الدول الصناعية على تأمين واردات النفط، وسلاسل الإمداد، التي تلقت ضربة عنيفة في مضيق هرمز، وتركت تداعيات كبرى طويلة الأجل، وفي ذلك قيمة مضافة للفرصة اليمنية؛ إذ يمكن تصدير النفط اليمني من بحر العرب أو البحر الأحمر بكل سلاسة، مع الاستفادة من الأسعار المرتفعة للنفط الخام عالميًا.

ولأنه قد سبق البحث في معادلة النفط مقابل المرتبات، فإن المطلوب اليوم خطوات عملية وعاجلة نحو اتفاق يسمح بإعادة تصدير النفط والغاز وتوريد الإيرادات إلى حساب خاص ومشترك بالمرتبات، وهذا هو حجر الأساس لأي اتفاق اقتصادي شامل محتمل.

وفي البعد السياسي للاتفاق الاقتصادي، يمكن القول: إن الإدارة المشتركة للموارد والثروات النفطية تأتي في صميم المعالجات للأزمة اليمنية، عن طريق التوزيع العادل للثروة، وضمان وصول خيراتها إلى عموم فئات الشعب المحرومة، وعدم احتكار عوائدها في قلة من النافذين واللصوص، والتوصل إلى اتفاق كهذا من شأنه أن يضع خطوطًا عريضة لآلية توزيع عادلة للإيرادات السيادية بين السلطة المركزية والسلطات المحلية في المحافظات المنتجة للنفط والغاز، وفي ذلك مدخل للحد من مركزية السلطة، ونقل الصلاحيات والمسؤوليات للمحافظات في إطار مبادئ الحكم المحلي بشقيها السياسي والإداري.

 

أكاديمي وباحث سياسي

النفط مقابل المرتبات مدخل إلى اتفاق اقتصادي برسم الأطراف اليمنية



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


26 سبتمبر نت النفط مقابل المرتبات مدخل إلى اتفاق اقتصادي برسم

كانت هذه تفاصيل النفط مقابل المرتبات.. مدخل إلى اتفاق اقتصادي برسم الأطراف اليمنية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على 26 سبتمبر نت و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم