اليكم الان هاربون من الفراقشية والان إلى التفاصيل من المصدر صوت المغرب
ما جرى في المغرب منذ بداية هذا الأسبوع، وبلغ ذروته يوم الخميس 30 يوليوز 2026، المصادف لذكرى عيد العرش، لا يمكن اختزاله في مجرّد “محاولة للهجرة غير النظامية”. لقد كان اضطرابا اجتماعيا واسعا، وحركة جماعية مفاجئة دفعت آلاف الشبان، وبينهم قاصرون، إلى التوجه نحو شمال البلاد، قبل أن تندفع أعداد كبيرة منهم نحو سبتة، سباحة أو عبر المعابر والأسوار.
دخل إلى المدينة المحتلة خلال أيام نحو ألف وخمسمائة شخص، وفق تقديرات وسائل إعلام دولية، فيما تحدثت تقارير أخرى عن آلاف تمكنوا من العبور يوم الخميس وحده. وانتُشلت تسع جثث في ذلك اليوم، ضمن حصيلة أثقل لمحاولات العبور خلال الشهور الأخيرة، بينما اضطرت إسبانيا إلى إرسال تعزيزات من الشرطة والجيش، في وقت ساهمت فيه السلطات المغربية في وقف مزيد من التدفقات.
لكن الأرقام، على فداحتها، ليست أخطر ما في القصة. الأخطر هو هذا الاستعداد الجماعي للمغادرة. أن يستيقظ آلاف الشبان في مدن متباعدة، ويلتقوا، دون تنظيم معلن ولا قيادة ظاهرة، حول فكرة واحدة هي الوصول إلى أقرب منفذ نحو الخارج.
الأخطر هو أن يركب هؤلاء القطارات والحافلات والشاحنات، ويمشوا على الطرقات، ثم يلقوا بأنفسهم في البحر أو يقتحموا الحدود، كأنهم لا يتركون وراءهم شيئا يستحق التردد.
المهاجر التقليدي يحسب الكلفة، ويدبر المال، ويبحث عن وسيط، وينتظر فرصة. أما ما وقع، فهو أقرب إلى حركة اقتلاع جماعية، يتحول فيها الرحيل من مشروع فردي إلى عدوى اجتماعية، ومن قرار محسوب إلى اندفاع يكفي مقطع مصور أو إشاعة عن فتح الحدود لإشعاله.
فجأة، أصبحنا مضطرين إلى إخراج القوات العمومية، وإقامة الحواجز، ومطاردة الحشود، والاستعانة بتقنيات “البريكولاج” التواصلي في المنصات، في غياب بات مألوفا لأي وجه سياسي مسؤول يخاطب الناس بلغة العقل، ويقول لهم إن الخصاص التنموي والاجتماعي مهول، وإن أسباب الغضب حقيقية، لكن الحل ليس في إسقاط القوانين والقواعد الوطنية والدولية والركض نحو جيب مستعمر اسمه سبتة.
قد تكون وراء ما جرى أياد خارجية. هذا ليس مستحيلا. للمغرب خصوم، والاستقرار الذي يعتز به ليس محل إعجاب الجميع. وقد تكون هناك شبكات للهجرة أو حملات رقمية أو جهات استغلت الظرف لتوسيع الفوضى. وقد توجد أيضا تصفيات حسابات من الداخل، أو رغبة في إحراج الدولة في يوم له رمزيته، بل قد يكون هناك من أراد تقديم رد ميداني على خطاب ملكي ركز، في الليلة السابقة، على الأمن والاستقرار والإنجازات الاقتصادية والتنموية. كل ذلك ممكن، كليا أو جزئيا.
بل إن “المؤامرة” قد لا تتعلّق بالمغرب أصلا، وقد يكون المستهدف بها، في حال وجودها، هو رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، خاصة عندما نلاحظ هذه الموجة السريعة التي أطلقها كل من اليمين المحلي الإسباني وأذرع “اليمين الترامبي”، خصوصا رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، لمهاجمة إسبانيا والمطالبة برأس حكومتها، وتهديدها بالطرد من منطقة شينغن…
لكن التفسير بالمؤامرة، حتى عندما يكون صحيحا، لا يفسر لماذا وجدت الدعوة كل هذه الأجساد المستعدة للاستجابة. يستطيع المحرض أن يطلق إشاعة، لكنه لا يستطيع أن يخلق من العدم آلاف الأشخاص المستعدين للموت من أجل تصديقها. المؤامرة قد تشعل الشرارة، لكنها لا تصنع الحطب اليابس والمتراكم طوال سنوات.
هنا يوجد السؤال الذي ينبغي ألا تخفيه صور المواجهات ولا بلاغات الأمن: ما الذي جعل آلاف المغاربة يعتبرون أول منفذ إلى الخارج أكثر أمنا من البقاء في بلدهم؟
الفقر كان دائما موجودا، والهشاشة كانت في فترات سابقة أشد وأوسع. ولم يكن المغرب القديم جنة للعدالة والفرص. لكن الفقر وحده لا يفسر هذا النوع من الانفلات. فقد كانت توجد، إلى جانب الحاجة، روابط اجتماعية وثقافية وعائلية، وربما أوهام سياسية أيضا، تمنع الإنسان من إلقاء كل شيء وراء ظهره والرحيل في لحظة.
كان الفقير يعتقد أن أبناءه قد يعيشون أفضل منه، يكفي أن يدرسوا ويحصوا على دبلومات. وكان الشاب يرى، ولو من بعيد، منفذا ممكنا عبر الدراسة أو الوظيفة أو الانتخابات أو الاحتجاج أو الوساطة الاجتماعية. أما الأخطر اليوم، فهو انهيار الاعتقاد في إمكان التصحيح.
الجواب المقنع الوحيد الذي ينفذ إلى العقل هو ما جرى في السياسة وعبر السياسة خلال الأعوام الأخيرة.
الاعتقاد بأن الناس لا تعبأ بما يقع في المجال السياسي واحد من أكبر أشكال إنكار الواقع. قد لا تقرأ الجموع البرامج، ولا تتابع جلسات البرلمان، ولا تحفظ أسماء المؤسسات، لكنها تدرك جيدا من يربح ومن يخسر، ومن يحظى بالحماية، ومن يدفع الثمن.
لقد رأت الناس الأسعار ترتفع، والخدمات تتراجع، والثروة تتوسع في جهة واحدة، ثم رأت أصحاب المصالح أنفسهم يتحولون إلى مشرّعين ومسؤولين وموزعين للصفقات والدعم.
الناس لا تنتظر من الدولة أن تجعل الجميع أغنياء، لكنها تنتظر منها أن تعدّل الكفة، وأن تمنع القوي من ابتلاع الضعيف، وأن تفتح طريقا للشكوى والتغيير والمحاسبة. وما ترسخ في السنوات الأخيرة هو شعور معاكس بأن الدولة تراجعت عن وظيفة التحكيم، واستسلمت تدريجيا لأصحاب المال والنفوذ، ثم سمحت لهم بالاستحواذ على مؤسسات الوساطة والانتخاب وإسماع الصوت.
لقد جرى إقناع المغاربة بأن المال يستطيع شراء السياسة، وأن تضارب المصالح يصبح أمرا عاديا متى امتلك صاحبه ما يكفي من النفوذ. ورأى المواطن أن من يحتكر السوق، أو يستفيد من الدعم، أو يراكم الثروة بفضل القرار العمومي، يمكنه أن يقدم نفسه في الوقت نفسه خادما للمصلحة العامة، دون أن يجد من يسأله أين تنتهي التجارة وأين تبدأ الدولة.
ما يصنع اليأسَ ليس منشورٌ غاضب ولا مؤثر في منصة رقمية. بل يصنعه إغلاق الأبواب واحدا بعد آخر. حين يفقد المواطن ثقته في الحزب، ثم في المنتخب، ثم في الإدارة، ثم في القضاء والوساطة والاحتجاج، لا يبقى أمامه سوى الخروج من كل شيء. خروج من السياسة أولا، ثم من المجال العام، ثم من الوطن نفسه.
لهذا لم يكن المشهد في محيط سبتة مجرد أزمة حدود. بل كان استفتاء قاسيا، بلا صناديق ولا لوائح، على شعور جزء من الشباب تجاه مكانه داخل بلده. هذا الشباب نفسه الذي افتقدناه ولم نعثر له على أثر في لوائح الناخبين، هو الذي انتفض في وجهنا هذا الأسبوع.
لا تعني هذه القراءة تبرير رشق القوات العمومية أو اقتحام الحدود أو خرق القانون. الدولة ملزمة بحماية حدودها وضمان أمن الناس والممتلكات، ومنع تعريض القاصرين للموت، ومواجهة الشبكات والمحرضين. لكن الأمن يستطيع تفريق الحشود، ولا يستطيع إقناعها بالبقاء.
ما يحتاجه المغرب ليس معرفة من حرّض فقط، بل فهم من استجاب ولماذا. والمطلوب ليس إغلاق الطريق إلى سبتة، بل إعادة فتح الطرق داخل المغرب. طريق العمل، والإنصاف، والترقي الاجتماعي، والمحاسبة، والإحساس بأن القانون لا يطبق على الضعفاء وحدهم.
لقد أيقن كثيرون أن السياسة والانتخابات لن تنقذانهم من “الفراقشية”، فقرروا الهروب!
هاربون من الفراقشية صوت المغرب.
هاربون من الفراقشية
المزيد من التفاصيل - اضغط هنا
صوت المغرب هاربون من الفراقشية
كانت هذه تفاصيل هاربون من الفراقشية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .
وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على صوت المغرب و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

