اخبار محلية كيف وضع الملك قادة العالم على أهبة "الانتباه" وأعادة توجيه البوصلة إلى أولويات الخطر؟

كيف وضع الملك قادة العالم على أهبة الانتباه وأعادة توجيه البوصلة إلى أولويات الخطر


اليكم الان كيف وضع الملك قادة العالم على أهبة "الانتباه" وأعادة توجيه البوصلة إلى أولويات الخطر؟ والان إلى التفاصيل من المصدر جو 24

معركة الانتباه: قراءة في الاتصال السياسي والإعلامي لخطاب الملك أمام الأمم المتحدة

كتب - بهاء الدين صوالحة

 

إنه من الأردن .. "وإنه باسم الله الرحمن الرحيم"

في البدء .. كانت البسملة. كانت الرصاصة البيانية الأولى لذخيرة "الانتباه" الحيّة التي أراد الملك "الثائر" جعلها العنوان والمضمون لخطاب "العلامة الكاملة" وموعظة أيلول السنوية .. تلاها لتكون فاتحة "الانتباه" التي ربما سيتنبّه إليها جمهور الخطاب بعد انتهائه ليدركوا بأن لهذا الكون خالق يُنظر ويدبّر من طغى وتجبّر ...

ببلاغة لغوية وهندسة سياسية، أمسك الملك بأطراف الحرف ودوّره، ليصنع منه كلمات ليست كالكلمات .. بل حراباً أراد أن يوخز بأسنّتها ضميراً غائباً أو مغيّباً، علّه يوقظه من مرقده ..

لكن خلف هذه الافتتاحية الروحانية، كان الخطاب يبني منذ جملته الأولى فكرة أكثر حداثة: من يملك انتباه العالم، يملك جزءًا من القدرة على تحديد ما يبقى على أجندته.

لم يكن خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 22 أيلول الجاري مجرد عرض للموقف الأردني من أزمات المنطقة، بل بدا كأنه بمثابة "مرافعة" في محكمة السياسة الدولية لمحاولة إعادة ترتيب الطريقة التي ينظر بها العالم إلى هذه الأزمات: ما الذي يستحق الانتباه؟ وما الذي جرى دفعه إلى هامش المشهد؟ وما الذي يجب ألا يتحول مع مرور الوقت إلى أمر مألوف؟ 

من هنا، لا تبدو كلمة «الانتباه» التي كرّرها الملك 19 مرّة خلال الخطاب الذي استمر 19 دقيقة مجرد "تعبير" فائض عن الحاجة؛  بل بدت وكأنها خيار الصدمة الذي لجأ إليه الملك لمحاولة إيقاظ العالم من غيبوبته، ليكون بالتالي ذلك "الانتباه" هو الإطار الذي بُنيت من خلاله الرسالة، والأداة التي انتقل بها الملك من الحديث عن تعدد الأزمات إلى محاولة إعادة ترتيب أولوياتها السياسية.

السؤال الاتصالي الأهم، بالتالي، لا يتعلق بـ: ماذا قال الملك؟ بل: كيف صاغ رسالته لكي تكسب "الانتباه"، وتحتفظ به، وتدفع المتلقي إلى النظر إلى الأزمات من الزاوية التي اختارها الخطاب؟

 

الانتباه.. من تجربة فردية إلى مورد جيوسياسي

اختار الملك أن يبدأ حديثه من تجربة يومية يعرفها الجميع: تراجع القدرة على التركيز في عصر الشاشة. لكنه سرعان ما نقل الفكرة من المجال الشخصي إلى المجال الدولي، حين قال إن الانتباه في قاعة الأمم المتحدة "ليس مجرد مورد معرفي فحسب، بل هو أيضا مورد جيوسياسي". هذه الجملة مثّلت في واقع الأمر مفتاح الخطاب وجوهره.

فالانتباه، كما يقدّمه الملك، يحدد أي نزاع يحظى بجهود دبلوماسية مستدامة، وأي أزمة تتراجع إلى هامش جدول الأعمال، وما إذا كانت المعاناة الإنسانية ستبقى مرفوضة أم تتحول تدريجياً إلى أمر مألوف.

بهذا المعنى، يتحول "الانتباه" من مفهوم نفسي إلى مورد سياسي تتنافس عليه الأزمات والدول والروايات.

واللافت أن الخطاب لا يستخدم المفهوم في بدايته فقط، بل يعود إليه في منتصفه ونهايته: مرة باعتباره مساحة يمكن تشتيتها، ومرة باعتباره مسؤولية ينبغي أن تكون مستدامة. أي أن الخطاب يبدأ بالانتباه وينتهي به، في بناء دائري يعيد المتلقي إلى السؤال نفسه: أين نضع انتباهنا؟

هندسة الخطاب: رحلة تعود إلى نقطة البداية

المتتبع بعناية لخطاب الملك يمكنه اكتشاف المسار الذي بُني إستناداً إليه الطرح الملكي وتنقلّاته المنهجية التي بدأت من مرحلة تشخيص "أمراض العصر السياسية" وصولاً إلى تأسيس مفهوم الانتباه، ثم تحويله إلى مورد جيوسياسي، فتطبيقه على أزمات المنطقة، بدءاً من التركيز على غزّة والضفة وربطهما كحالة واحدة لا منفصلة، ثم بعدها الانتقال إلى سوريا والأردن، قبل أن يعود الملك إلى مفهومي المبادئ والثقة، ويختم خطابه بإعادة الانتباه إلى مركز وجوهر الأزمات الذي بدأ به خطابه، مما منح الخطاب تماسكاً معرفيا وسياسياً واتساقاً في موضوعاته المتشعبة، ليصيغها ضمن سردية واحدة. 

لذلك لا يبدو استدعاء "الانتباه" في الخاتمة تكرارًا للمقدمة، بل إغلاقًا للقوس الذي افتتحه في بداية الخطاب. 

"ولا ننسى غزّة" .. إعادة ضبط الانتباه

في حديثه وبإدراك مسبق، أظهر الملك قدرة بارعة على التحكّم بأدواته وتقنياته الاتصالية، وعمد إلى إستثمار ذلك بأقصى طاقته، تنقّل بمهارة المايسترو بين الفقرات الطويلة والعبارات القصيرة التي تحمل رسائل "الانتباه"، وعرف كيف يعزف وبثبات جسدي على إيقاع المد والجزر في طبقات الصوت، أين يعلي النبرة وأين يخفضها، بما يخدم غرض الرسالة ويعزز أثرها، ولم يفته أن ينسج انسجام دقيق بين لغة الصوت ولغة الجسد، فيما شارة السبابة كانت حاضرة وهي التي ستغدو لاحقاً إحدى إيقونات الاقتباس الأكثر تأثيراً وتفاعلاً. 

فبعد المقدمة النظرية، ينتقل الخطاب برشاقة من العالم إلى المنطقة، ومن المنطقة إلى غزة عبر عبارته ".. ولا ننسى غزّة".

اتصالياً، تبدو هذه الجملة أشبه بالضغط على زر إعادة ضبط للخطاب. فبعد الحديث عن أزمات متعددة في لبنان واليمن والسودان وإيران وأزمات الطاقة والتجارة والاستثمار، يلقي الملك بعبارته "ولا ننسى غزّة" في أحضان الحضور وعلى مسامع المتابعين، وهي العبارة التي لم تكتسب قوتها الحقيقية والتأثيرية من طولها بل في موقعها وتوقيتها. فالخطاب كان قد وسّع مجال الانتباه إلى مجموعة كبيرة من الأزمات، ثم أعاد تركيزه على قضية واحدة بجملة شديدة الاختزال.

سياسياً، لا يعني ذلك أن إيران غائبة من الحسابات – وكيف يكون ذلك - ؛ لكنها تظهر في الخطاب باعتبارها جزءاً من سياق عدم الاستقرار الإقليمي، بينما تصبح غزة والضفة الغربية محوراً تفسيرياً لما يأتي بعدها .

وهذه النقلة هي واحدة من أهم عمليات هندسة الانتباه في الخطاب: بدلاً من السماح لتعدد الأزمات بتفكيك الرسالة، يعيد المتحدث جمعها حول مركز سياسي واحد.

من الوصف إلى التسمية

إحدى أكثر الأدوات الاتصالية وضوحاً في الخطاب هي الانتقال من وصف الأحداث إلى " دعونا نسمي الأمور بمسمياتها"!

فما يوصف بأنه «تسجيل للأراضي» يصبح «ضماً فعلياً»، وما يوصف بأنه «شغب مستوطنين» يوضع ضمن سياق أوسع من التهجير القسري، بينما تتحول الحواجز من مفهوم أمني إلى توصيف سياسي مختلف.

هذه التقنية مهمة إعلامياً لأنها تنتج جملة قابلة للاقتباس.

فالخطاب لا يكتفي بتقديم المعلومات؛ بل منح المتلقي مفردات جاهزة لإعادة إنتاج الرسالة خارج القاعة. ومن هنا يمكن فهم بعض أكثر مقاطع الخطاب قابلية للانتشار: "ولا ننسى غزة"، "حبر على ورق"، و "تشتيت الانتباه" حتى يصل إلى عبارة: 

"وهناك مصطلح واضح لوصف هذه السياسة: التهجير القسري، وهو جريمة حرب."

وينتمي إلى النمط نفسه:"هذا التقاعس هو خيار"! وفي هذا يعيد الملك من جديد مؤشر "الانتباه" إلى أصحاب المسؤولية، فالأدوات موجودة ومتاحة لكنه تقاعسكم يا سادة .. 

من منظور الاتصال السياسي، تمتلك هذه الصياغات ثلاث خصائص مهمة: القصر، والوضوح، وقابلية الفصل عن السياق. وهذا ما يجعلها مناسبة للعناوين والاقتباسات والمقاطع الرقمية القصيرة، وهو ما تحقق بالفعل. فهي جمل قصيرة، واضحة، ذات حمولة سياسية، وقابلة للانتقال من خطاب كامل إلى عنوان أو منشور أو مقطع فيديو لا يتجاوز ثواني معدودة.

إعادة توجيه البوصلة إلى أولويات الخطر

سياسياً، يتطور الخطاب وفق مسار واضح: غزة، الضفة الغربية، إسرائيل، الجنوب السوري، الإقليم، ثم الأردن.

فالقضية الفلسطينية لا تقدم بوصفها ملفاً إنسانياً منفصلاً، وإنما بوصفها قضية لها امتدادات إقليمية. وفي مرحلة لاحقة، يقول الملك إن الطموحات الإسرائيلية «لن تقف عند فلسطين»، ثم ينتقل إلى سوريا والتوغلات الإسرائيلية والموارد المائية، قبل أن يربط ذلك مباشرة بالأمن القومي الأردني.

بهذا المعنى، يعيد الخطاب ترتيب مصادر الخطر بدلاً من مجرد تعدادها.

وهذه القراءة تتقاطع وتعيد إلى الأذهان - على مستوى السياق – المقال الذينشرته مجلة Foreign Policy في 31 آب/أغسطس 2026  وخلص الكاتب شون يوم من خلاله، إلى أن القلق الأردني من الحرب مع إيران كان حقيقياً، لكنه بدا أقل من المخاوف المرتبطة بتسارع التوسع الإسرائيلي واحتمال ضم الضفة الغربية، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على الأردن.

حيث يكشف الخطاب عند مقارنته بهذا السياق، ترتيباً سياسياً أردنياً للأولويات يضع القضية الفلسطينية والتوسع الإسرائيلي في مركز المعالجة، فيما تظهر إيران أساساً باعتبارها جزءاً من مشهد عدم الاستقرار الإقليمي.

 

إسرائيل.. من القضية الفلسطينية إلى التهديد الإقليمي

التحول الأبرز هنا أن إسرائيل لا تظهر فقط كطرف في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإنما كعامل في معادلة الأمن الإقليمي.

ويعزز الخطاب ذلك بالانتقال من غزة والضفة إلى سوريا، ثم إلى الحدود الشمالية للأردن والأمن المائي. وهكذا تصبح القضية الفلسطينية نقطة انطلاق لقراءة أوسع لما يعتبره الخطاب تحولات في البيئة الأمنية المحيطة بالأردن.

ولا يقدم الملك هذا الانتقال باعتباره احتمالاً مجرداً، بل يربطه بما يسميه "طموحات توسعية" وشهية لا تتوقف، وباختبار مستمر لمدى استعداد المجتمع الدولي للتحرك.

لكن مؤشر "الانتباه" الذي يستدعي "الانتباه" في هذا السياق، أن الملك استدعى مفهوماً من أرشيف النظام العربي المتداعي ونفض الغبار عنه عنوانه: "الأمن الإقليمي المشترك "، وبطريقة أو بأخرى وعبر حديثه بالإنابة ومن باب حسّ المسؤولية وبُعد الرؤية – وليس فرض الذات - عن الهم السوري واللبناني والفلسطيني، بدا الملك وكأنه يعيد الاعتبار لوحدة الحال وترابط الساحات وشراكة المصير الواحد ويقين حقيقة الارتدادات، فما يحدث في الضفة وغزة لا يعني الفلسطينيين وحدهم، وما يحدث في لبنان لا يعني اللبنانيين وحدهم، وكذلك ما يحدث في الجنوب السوري. يحدث هذا ليعيد الملك "الانتباه" إلى مآلات التفرّد بالقرار، والتغريد المنفرد خارج السرب ...

الولايات المتحدة.. شراكة لا تمنع الضغط

عندما يخاطب الملك العالم ويقول:"إن التقاعس خيار"، وأنه "ليس ناتجاً عن قلة الخيارات" وبأننا "نمتلك الأدوات: كالعقوبات، وتجميد الأصول، وفرض الحظر، والعزل الدبلوماسي، ولدينا سجل باستخدامها في قضايا أخرى، لكن عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، تبقى القرارت حيث بدأ: حبر على ورق .. والنتيجة هي دولة بلا رادع .. إن شعور هذه الحكومة بقدرتها على الإفلات من العقاب وصل إلى مراحل مرعبة، فهي لم تعد ترى نفسها مضطرة حتى إلى التساؤل "هل يمكننا الإفلات بهذا؟" لأنها تعرف الإجابة مسبقا. ولهذا السبب تحديدا يجب ألا يعتقد أحد في هذه الجمعية العامة أن طموحاتها ستقف عند فلسطين."

في هذا الفصل؛ يدرك الملك جيداً من يمتلك أدوات الضغط، ويدرك أكثر أي قوة تمنح "الحكومة الإسرائيلية" تلك الحصانة، وتمنحها تلك الطاقة لإشباع شهيتها، ومن يدير خيار التقاعس العالمي ويمنع ترجمة الحبر إلى أدوات ردع. 

لكن في المقابل وبحنكة، لم يختر الخطاب تحويل الولايات المتحدة إلى خصم مباشر. فعند عند الحديث عن غزة، يثني الملك على جهود الرئيس ترمب لتحقيق السلام وإنهاء الحرب، قبل أن يوجه النقد إلى الحكومة الإسرائيلية, لكن لغة الشراكة والدبلوماسية تلك؛ لم تمنع الملك من تمرير رسالة ضغط غير مباشرة،ومن كشف الغطاء عن القوة المعطّلة للعدالة الدولية.

فالخطاب لم يسمِّ الولايات المتحدة هنا بالاسم. لكن في قراءة سياسية للسياق، يصعب فصل هذه الرسالة عن سؤال من يمتلك القدرة الفعلية على تحويل القرارات الدولية إلى واقع، ومن يملك النفوذ الأكبر على إسرائيل؟

ومن هذه الزاوية، يبدو الخطاب أقرب إلى الضغط غير المباشر منه إلى المواجهة المباشرة: إبقاء باب الشراكة مع واشنطن مفتوحاً، مع تذكيرها، في الوقت نفسه، بالفجوة بين قوة النظام الدولي في إصدار القرارات وقدرته على تنفيذها.

ويظهر هذا الأسلوب أيضاً في حديث الملك عن الأونروا. فاختياره التأكيد علىأن الأردن "سيستمر في دعم الأونروا" يأتي في سياق كان التمويل الأمريكي للوكالة قد توقف فيه؛ بعد أن كان هو الأكبر للمنظمة الدولية. وبالتالي، يمكن قراءة هذه الإشارة باعتبارها تثبيتاً لموقف أردني مستقل عن المسار الأمريكي تجاه الوكالة، ورسالة ضغط أخرى من دون تحويل ذلك إلى مواجهة مباشرة مع واشنطن.. لذلك؛ فإن كلمات الملك وطريقة عرضه اللغوية لأفكاره حمّلت كلماته حمولة مركّبة من المفاهيم لتترك للمتلقي مساحته الذاتية لتفكيكها بنفسه، فيما كان مهاراته الأدائية سابقة لكلماته في عرض تلك الأفكار. 

 

الأردن.. من متلقي التداعيات إلى صاحب المصلحة

حين يصل الخطاب إلى الأردن، تتغير زاوية الكاميرا السياسية.

لم يعد الأردن مجرد دولة تتأثر بما يجري حولها، بل يصبح صاحب مصلحة مباشرة في الأمن الإقليمي: الحدود، المياه، مكافحة الإرهاب، مواجهة تهريب المخدرات، دعم الفلسطينيين، والأدوار المرتبطة بالقدس.

ويختصر الملك ذلك بوضوح ولكن بأداء اتصالي حاسم حين يقول إن أي تهديد للحدود الشمالية أو الأمن المائي هو تهديد للأمن القومي الأردني.

ثم يعيد تقديم الأردن كدولة تتحرك في مسارين متوازيين: مواجهة الأزمات العاجلة، وبناء المستقبل، مع التأكيد على دعم الصمود الفلسطيني والأونروا والوصاية الهاشمية على المقدسات.

وهنا يصبح الأردن في بنية الخطاب فاعلاً سياسياً لا مجرد متلقٍ لتداعيات المنطقة.

 

الأداء: الثبات بوصفه أداة اتصال

أداء الملك كان أحد قادة "الانتباه" الذي جعل الخطاب يتدفق ليحصد معدلات الوصول والتأثير والتفاعل التي سجلها، وتمكّن الملك بمهاراته البليغة من تحويل ذلك الأداء إلى أدوات دعم لإيصال رسائله وتحفيز تأثيرها: الخطابة، مخارج الحروف، وضوح التعبير المتبوع بالثبات الجسدي، النبرة المستقرّة، الإيماءات المحدودة، إيقاع الصوت وتذبذب الترددات تبعاً للرسالة، كل ذلك جعل من الأداء داعماً للرسالة السياسية وليس منافساً لها. 

إتصالياً؛ يمكن أن يُطلق على ذلك الأداء توصيف: "الاقتصاد الحركي". فكلّما قلت الحركة غير الضرورية، أصبحت الإيماءة المستخدمة أكثر وضوحاً، وأصبح للثبات نفسه معنى اتصالي.

كما أن الصوت لم يعتمد على الاستعراض، بقدر ما اعتمد على تثبيت المعنى. التوقفات، وتغيير الإيقاع في بعض المقاطع، والانتقال من الجمل التفسيرية إلى الجمل الحاسمة، كلها ساعدت على منح الرسالة طبقات مختلفة من التأكيد.

وتحت إيقاع هذا الأداء، بدا الملك "ثائراً" ولكنه رصيناً وثابتاً وبعيداً عن الانفعال المنفلت، نقل غضبه بلغة بليغة ودقيقة المعنى وخالية من الاستعراض، لذلك وصل المعنى بسلاسة إلى كل من خاطبهم: قادة وساسة ودبلوماسيين وإعلاميين ومؤثرين وحتى إلى الجمهور الخارجي.

 

الكاميرا.. الجمهور الذي لم يكن في القاعة

الخطاب لم يكن موجهاً إلى الدبلوماسيين الموجودين في القاعة فقط. كانت هناك كاميرا أخرى، وجمهور آخر، ومساحة رقمية شاسعة سيخرج إليها الخطاب بعد دقائق.

لذلك كان الأداء البصري جزءاً من استراتيجية الاتصال، لأن الجملة التي تمر داخل القاعة يمكن أن تتحول خارجها إلى مقطع قصير، والصورة التي تظهر لثوانٍ يمكن أن تعيش لساعات أو أيام.

ولهذا اكتسبت بعض الإيماءات، وعلى رأسها إشارة السبابة، قيمة تجاوزتلحظتها؛ إذ ظهرت صورة الملك على منصة الأمم المتحدة بين أكثر الصور تفاعلاً في أحد تقارير الرصد الرقمي اللاحق.

 

ماذا بقي بعد مغادرة المنصة؟

أظهرت تقارير رصد رقمية لاحقة مستويات مرتفعة من التداول والتفاعل والوصول حول الخطاب. وما يمكن قوله بثقة أكبر هو أن الخطاب امتلك عناصر عالية القابلية للتداول: جمل قصيرة، مواقف واضحة، صوراً قوية، وإشارات بصرية يمكن فصلها عن النص الكامل.

وهذا يعني أن الخطاب لم ينته عند انتهاء الكلمة؛ بل دخل إلى مرحلة ثانية من الاتصال، حيث أعادت المنصات الاجتماعية ووسائل الإعلام إعادة تدويره وتجزئته إلى عبارات وصور ومقاطع، وهذا التداول يمكن إضافته ليكون مؤشراً آخر من مؤشرات "الانتباه" إلى الخطاب بوصفه خطاباً مؤثراً وبأن رسائله قد وصلت.

 

اللحظة الأهم: حين تتحول الإيماءة إلى صورة

في الخطابات السياسية الحديثة، قد لا تكون الجملة الأطول هي التي تعيش أطول.أحياناً تكون: الصورة، شارة يد، وقفة، نظرة إلى الكاميرا، أو لحظة صمت يمكن أن تختصر خطاباً كاملاً. وهذا ما يجعل الأداء البصري جزءاً من هندسة الرسالة وليس مجرد عنصر تجميلي.

في حالة خطاب الملك ، ساعد الثبات وقلة الحركة على جعل الإشارات المستخدمة أكثر وضوحاً، فيما منحت الكاميرا هذه الإشارات حياة مستقلة عن النص.

وهنا تلتقي القراءة الإعلامية بالسياسية مرة أخرى: الصورة لا تنقل الرسالة فقط، بل تساعد على اختيار أي جزء منها سيبقى في الذاكرة ويكون مؤهلاً للتداول.

الخلاصة: معركة على أجندة الانتباه

يمكن قراءة الخطاب بتفاصيله باعتباره محاولة للسيطرة على أجندة الانتباه: بدأ من الإنسان، وانتقل إلى العالم، ثم إلى المنطقة، ثم أعاد توجيه الانتباه إلى غزة، ومنها إلى الضفة الغربية، ثم إسرائيل، فسوريا، وصولاً إلى الأمن الأردني.

وفي الوقت نفسه، حافظ على رسائل سياسية واضحة في ملفات أكثر حساسية: إيران حاضرة في السياق لا في مركز الخطاب؛ الولايات المتحدة شريك مع مساحة للضغط؛ وإسرائيل تتحول في السردية من طرف في نزاع إلى قضية ذات امتدادات إقليمية؛ بينما يظهر الأردن بوصفه صاحب مصلحة مباشرة وفاعلاً يسعى إلى حماية أمنه والاستمرار في أدواره الدبلوماسية.

أما اتصاليًا، فقد عمل النص والأداء والصورة في الاتجاه نفسه: جذب الانتباه، تثبيت الرسالة، إنتاج عبارات قابلة للاقتباس، ثم إطالة عمر الخطاب خارج القاعة.

ولهذا فإن أهم ما في الخطاب ربما لا يكمن في عدد المرات التي وردت فيها كلمة «الانتباه»، بل في أنه جعلها موضوعاً للخطاب، وأداة لبنائه، ومقياساً لما يريد أن يبقى في المشهد. لذلك؛ فمن المفارقات التي أثمرها الخطاب أن كلمات الملك تحوّلت من "محرّضة" للعالم على "الانتباه" لتصبح هي نفسها محور لذلك "الانتباه" ومصدراً لقوته!

وفي عالم تتنافس فيه الأزمات على انتباه الجمهور، ينتهي الخطاب بالسؤال نفسه الذي بدأ منه تقريباً: ليس فقط ماذا سنفعل، بل ما الذي سنختار ألا نتجاهله؟

.

كيف وضع الملك قادة العالم على أهبة الانتباه وأعادة توجيه البوصلة إلى أولويات الخطر



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


جو 24 كيف وضع الملك قادة العالم على أهبة الانتباه وأعادة

كانت هذه تفاصيل كيف وضع الملك قادة العالم على أهبة "الانتباه" وأعادة توجيه البوصلة إلى أولويات الخطر؟ نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على جو 24 و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار محلية اليوم