اخبار عربية أزمة السكن تستعر في إسبانيا.. حين يتحول البيت إلى معركة سياسية

أزمة السكن تستعر في إسبانيا حين يتحول البيت إلى معركة سياسية


اليكم الان أزمة السكن تستعر في إسبانيا.. حين يتحول البيت إلى معركة سياسية والان إلى التفاصيل من المصدر هسبريس

لم تعد أزمة السكن في إسبانيا مجرد ملف اجتماعي يثقل كاهل الشباب والأسر ذات الدخل المحدود، ولا قضية اقتصادية يمكن اختزالها في ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، بعدما انتقلت خلال الأيام الأخيرة إلى قلب الصراع السياسي، وانتهت، في تطور بالغ الدلالة، إلى دفع رئيس الحكومة بيدرو سانشيز نحو الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نونبر المقبل، عقب هزيمة حكومته في البرلمان بشأن حزمة من التدابير الاستعجالية الخاصة بالسكن.

وهكذا وجد الإسبان أنفسهم أمام مفارقة لافتة: أزمة بدأت من سؤال بسيط في ظاهره، هو “أين يمكن أن يسكن المواطن وبأي كلفة؟”، تحولت إلى سؤال أكبر يتعلق بمن يملك القدرة على إدارة الدولة، ومن يستطيع تقديم إجابة مقنعة عن أحد أكثر الملفات التي تمس الحياة اليومية للإسبانيين مباشرة.

ولفهم حجم التحول، تكفي العودة إلى الأرقام التي ترسم صورة مختلفة تماماً عن مؤشرات النمو الاقتصادي التي طالما قدمت إسبانيا باعتبارها إحدى قصص التعافي الاقتصادي في أوروبا. فقد بلغ ارتفاع أسعار المساكن 12.2 في المائة على أساس سنوي خلال الربع الثاني من 2026، بعدما ارتفعت الأسعار بنسبة 3.4 في المائة مقارنة بالربع السابق، فيما سجلت أسعار المساكن المستعملة زيادة سنوية بلغت 12.9 في المائة. وبذلك لم يعد ارتفاع الأسعار ظاهرة مرتبطة ببعض المدن السياحية أو المناطق الأكثر جذباً للاستثمار، بل أصبح اتجاهاً وطنياً تتفاوت حدته بين الأقاليم.

أزمة نقص لا أزمة انهيار

المفارقة الأساسية في المشهد الإسباني أن البلاد لا تواجه نسخة جديدة من أزمة العقار التي قادت إلى الانهيار المالي سنة 2008، بل تعاني مشكلة مختلفة في طبيعتها وأكثر تعقيداً في علاجها:

الطلب على السكن ينمو بسرعة أكبر من قدرة السوق على توفير وحدات جديدة بأسعار يمكن لشرائح واسعة تحملها. وقد رفع بنك إسبانيا تقديره للعجز المتراكم في المساكن إلى نحو 750 ألف وحدة خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2025، بعدما كان تقديره السابق يتحدث عن نحو 600 ألف وحدة، محذراً من أن الفجوة مرشحة للاتساع في السنوات المقبلة إذا لم تتغير معادلة العرض والطلب.

وتزداد دلالة هذا الرقم حين يوضع إلى جانب وتيرة تكوين الأسر الجديدة، حيث أشار بنك إسبانيا إلى أن إسبانيا شهدت خلال 2025 تكويناً صافياً لنحو 225 ألف أسرة، في حين لم تتجاوز المساكن الجديدة المنجزة نحو 92 ألف وحدة، بينما بلغ عدد المساكن التي بدأ تشييدها أو حصلت على تراخيص بناء جديدة مستويات أعلى، لكنها لا تزال غير كافية لتعويض الفجوة المتراكمة. وبعبارة أخرى، فإن المشكلة لا تتمثل فقط في أن السكن أصبح غالياً، وإنما في أن عدد الوحدات التي تدخل السوق لا يواكب عدد الأسر التي تحتاج إلى مسكن.

وهنا تبرز إحدى أكثر النقاط حساسية في الأزمة؛ إذ لا يمكن حل مشكلة بهذا الحجم عبر دعم الإيجار وحده أو عبر وضع سقوف مؤقتة للأسعار، كما لا يمكن تجاوزها بمجرد تقديم حوافز ضريبية للمشترين، لأن جذورها مرتبطة أيضاً بالأراضي المتاحة للبناء، وبطول المساطر الإدارية، وبقدرة المدن والأقاليم على إنتاج السكن، وبحجم الاستثمار في السكن الاجتماعي، وبالتحولات الديمغرافية والسياحية التي جعلت الطلب يتركز بصورة متزايدة في مدريد وبرشلونة وملقة وأليكانتي وفالنسيا ومناطق ساحلية وجزرية أخرى.

الإيجار.. الوجه الأكثر قسوة للأزمة

إذا كان ارتفاع سعر شراء العقار يمثل مشكلة كبيرة، فإن الإيجار أصبح الوجه الأكثر مباشرة للأزمة بالنسبة إلى ملايين الإسبان، خصوصاً الشباب الذين يجدون أنفسهم أمام سوق لا تتناسب أسعاره مع مداخيلهم.

وتشير البيانات الرسمية التي أوردها المرسوم الحكومي الأخير إلى أن 26.8 في المائة من الأسر التي تستأجر مساكن بأسعار السوق كانت في 2025 تنفق أكثر من 40 في المائة من دخلها على الإيجار، مقابل 18.6 في المائة فقط كمعدل أوروبي، رغم أن النسبة الإسبانية تراجعت عن 39.4 في المائة المسجلة في 2022.

وتكشف هذه النسبة أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار، وإنما بحدود القدرة على الاستمرار في دفعها. فحين يذهب أكثر من 40 في المائة من دخل الأسرة إلى الإيجار، يصبح السكن منافساً مباشراً للغذاء والنقل والصحة والتعليم والادخار، ويتحول الانتقال من منزل إلى آخر أو الاستقلال عن الأسرة إلى قرار اقتصادي بالغ الصعوبة.

ولهذا لم يعد غريباً أن تتحول أزمة السكن إلى قضية جيلية بامتياز، وأن يكون الشباب في مقدمة الفئات التي تشعر بأن النمو الاقتصادي لا يترجم بالضرورة إلى قدرة أكبر على بناء حياة مستقلة.

معادلة أكثر تعقيداً

ولا يمكن اختزال الأزمة في مسؤولية عامل واحد، لأن سوق السكن الإسباني أصبح نقطة تقاطع بين مجموعة من التحولات. فهناك الطلب الداخلي الناتج عن زيادة عدد الأسر، وهناك الطلب الخارجي من غير المقيمين، إذ أشار بنك إسبانيا إلى أن غير المقيمين اشتروا نحو 55 ألف مسكن خلال 2025، فضلاً عن الاستخدامات البديلة للعقار، بما في ذلك الإيجار السياحي والإيجار الموسمي. كما يؤدي تأخر استقلال الشباب عن أسرهم إلى توليد طلب كامن لا يظهر دائماً في أرقام المعاملات العقارية لكنه يضغط على السوق في المدن التي تعاني أصلاً من نقص العرض.

وتضيف السياحة بعداً آخر إلى المشكلة، خصوصاً في المدن والمناطق التي أصبحت فيها المساكن ذات العائد السياحي أكثر جاذبية بالنسبة إلى المالكين من عقود الإيجار طويلة الأمد، الأمر الذي يغذي الصراع حول طبيعة المدينة نفسها: هل السكن وظيفة اجتماعية أساسية، أم أصل استثماري يمكن توجيهه إلى النشاط الأكثر ربحية؟ وفي هذا السياق، لم يعد الجدل حول الشقق السياحية مجرد نقاش تنظيمي بين البلديات وأصحاب العقارات، وإنما أصبح جزءاً من المعركة الأكبر حول الحق في البقاء داخل المدن التي ارتفعت فيها تكلفة السكن بوتيرة تفوق قدرة قطاعات واسعة من السكان على مواكبتها.

أما الهجرة، فقد دخلت بدورها إلى النقاش السياسي حول السكن، بعدما أصبحت الزيادة السكانية وتكوين الأسر الجديدة جزءاً من تفسير نمو الطلب، فيما تحذر أطراف سياسية من أن استمرار تدفقات الهجرة من دون توسع موازٍ في بناء المساكن والخدمات العامة يزيد الضغط على المدن. وفي المقابل، تشير الحكومة ومؤسسات اقتصادية إلى أن المهاجرين يمثلون جزءاً من القوة العاملة والطلب الاقتصادي، بما يجعل تحويل أزمة السكن إلى قضية هجرة فقط تبسيطاً لمشكلة تتداخل فيها عوامل البناء والديمغرافيا والاستثمار والسياحة والتوزيع الجغرافي للوظائف.

حكومة أنفقت أكثر.. لكن السوق لم يتغير بالسرعة المطلوبة

ولم تكن حكومة سانشيز غائبة عن الملف. ففي أبريل الماضي أقرت الحكومة الخطة الحكومية للسكن 2026-2030 بميزانية تبلغ 7 مليارات يورو على مدى خمس سنوات، أي ثلاثة أضعاف تقريباً تمويل الخطة السابقة، مع توجيه 40 في المائة على الأقل من الأموال إلى بناء واقتناء المساكن، و30 في المائة لإعادة تأهيل المخزون السكني، و30 في المائة لحماية الفئات والمناطق الأكثر احتياجاً.

كما أعلنت الحكومة أنها حركت أكثر من 120 ألف مسكن للإيجار الميسور، وأن الربع الأول من 2026 شهد إطلاق مناقصات لبناء 2800 مسكن جديد، وهو ما قدمه سانشيز باعتباره أعلى مستوى من المناقصات العمومية في قطاع السكن منذ 18 عاماً. لكن المشكلة السياسية تكمن في أن الأرقام الحكومية، مهما كانت كبيرة، لا تتطابق بعد مع حجم الفجوة التي حددها بنك إسبانيا، والتي تصل إلى مئات الآلاف من الوحدات.

وهنا نشأت واحدة من أكبر مفارقات الأزمة: الحكومة تقول إنها رفعت الإنفاق ووضعت السكن في صدارة أجندتها، بينما يواصل المواطنون رؤية الأسعار ترتفع بوتيرة كبيرة. وفي السياسة، لا تقاس فعالية الإجراءات فقط بحجم الأموال المعلنة، وإنما بمدى شعور الناس بأن حياتهم اليومية تغيرت نتيجة تلك الإجراءات. وإذا بقي الإيجار مرتفعاً رغم زيادة الإنفاق العمومي، فإن الخطاب الحكومي يصبح أكثر صعوبة في مواجهة غضب الشارع.

مرسومان سقطا في البرلمان

بلغت الأزمة نقطة سياسية حاسمة في الثاني من أكتوبر، عندما رفض مجلس النواب مرسومين حكوميين يتعلقان بالسكن، بعدما صوت حزب الشعب وفوكس وجونتس ضد التدابير. وكان أحد النصين يتضمن إجراءات لحماية المستأجرين والفئات الهشة، وتنظيم وضعية كبار ملاك العقارات، وتدابير مرتبطة بالإخلاءات، إلى جانب حوافز وضوابط ضريبية، بينما استهدف المرسوم الثاني تعزيز استقرار عقود الإيجار.

وكانت الهزيمة البرلمانية أكثر من مجرد سقوط تشريعي لحزمتين من الإجراءات؛ فقد كشفت مرة أخرى محدودية قدرة حكومة الأقلية على تمرير السياسات الكبرى من دون اتفاقات مستقرة مع الأحزاب التي تحتاج إليها في البرلمان. والأهم أن الهزيمة جاءت في اللحظة التي كان فيها الشارع يضغط من أجل تدخل حكومي أقوى، ما خلق مفارقة سياسية واضحة: المحتجون يطالبون الدولة بالتحرك، بينما البرلمان يمنع الحكومة من تنفيذ جزء من استجابتها.

وقبل التصويت، حاول سانشيز تحويل المعركة إلى اختبار سياسي للأحزاب، داعياً النواب إلى تحديد موقفهم من الإجراءات التي اعتبرها استجابة لمطلب اجتماعي واضح، بينما اتهمت الحكومة خصومها بتعطيل إجراءات تستهدف حماية المستأجرين؛ لكن المعارضة قدمت بدورها الأزمة من زاوية مختلفة، مركزة على أن معالجة السكن تتطلب زيادة كبيرة في البناء وتحرير مزيد من العرض، وليس فقط تنظيم الإيجارات وحماية المستأجرين.

من أزمة اجتماعية إلى ورقة انتخابية

ثم جاءت لحظة الخامس من أكتوبر لتغير طبيعة الأزمة بالكامل؛ فقد أعلن سانشيز الدعوة إلى انتخابات تشريعية مبكرة في 29 نونبر، واضعاً البلاد أمام استحقاق انتخابي يأتي في خضم واحدة من أكثر أزمات السكن حساسية منذ سنوات. ويمنح هذا القرار ملف السكن موقعاً مركزياً في الحملة المقبلة، لأن الناخب لن يصوت فقط على برامج اقتصادية عامة، وإنما سيجد أمامه سؤالاً ملموساً للغاية: كيف ستجعل الأحزاب السكن متاحاً بأسعار يمكن تحملها؟

وهنا يتحول السكن إلى قضية سياسية ذات طبيعة مختلفة عن الملفات التقليدية، لأنه لا يحتاج إلى شرح أيديولوجي طويل حتى يشعر المواطن بتأثيره. الناخب الذي يدفع نصف دخله تقريباً للإيجار، أو شاب لا يستطيع مغادرة منزل أسرته، أو أسرة مهددة بفقدان مسكنها، لا يتعامل مع السكن باعتباره برنامجاً حكومياً مجرداً، وإنما باعتباره اختباراً مباشراً لقدرة الدولة على توفير شروط حياة طبيعية.

ولهذا سيسعى اليسار إلى تقديم الأزمة باعتبارها دليلاً على الحاجة إلى توسيع السكن العمومي وتنظيم السوق وحماية المستأجرين، بينما سيقدم اليمين رؤيته التي تركز أكثر على زيادة البناء وتوفير الأراضي والحوافز وخفض الضرائب وتسهيل الاستثمار العقاري. وقد أعلن زعيم الحزب الشعبي ألبرتو نونييث فيخو، في أعقاب إعلان الانتخابات، أنه يريد رفع وتيرة بناء المساكن إلى نحو 200 ألف وحدة سنوياً وخفض الضرائب، واضعاً نقص العرض في مركز تفسيره للأزمة.

أما فوكس، فمن المرجح أن يربط القضية، كما فعل في ملفات اجتماعية أخرى، بالهجرة والسياحة والضغط على الخدمات العامة، بينما سيجد اليسار الراديكالي والنقابات وجمعيات المستأجرين في الأزمة مناسبة لتأكيد أن السوق وحده لا يستطيع ضمان الحق في السكن. وبين هذه المواقف المتباينة، سيصبح سؤال من يتحمل مسؤولية الأزمة أكثر أهمية من أي وقت مضى، خصوصاً أن المشكلة الحالية هي نتيجة تراكم طويل يتجاوز ولاية حكومة واحدة.

 العلاقة بين الشارع والسياسة

وتكمن إحدى أهم دلالات الأزمة في أن السكن نجح في إخراج الاحتجاج الاجتماعي من القضايا التي اعتادها الشارع الإسباني إلى قضية يومية عابرة للطبقات والتيارات السياسية. فالمتظاهر الذي يرفض ارتفاع الإيجار ليس بالضرورة ناشطاً حزبياً، والأسرة التي تخشى الإخلاء لا تحتاج إلى الانتماء إلى اليسار لكي تنزل إلى الشارع، والشاب الذي يؤجل استقلاله عن والديه لا ينطلق بالضرورة من موقف أيديولوجي محدد.

وهذا ما يجعل أزمة السكن أكثر خطورة سياسياً من احتجاجات مرتبطة بقرار حكومي منفرد؛ فهي تمتلك القدرة على تجميع فئات اجتماعية مختلفة حول تجربة واحدة. وقد شهدت مدريد خلال الأيام الأخيرة اعتصامات واحتجاجات، فيما جاء الحراك الشعبي في أعقاب إخلاء امرأة تبلغ 87 عاماً من مسكن عاشت فيه لعقود، وهي الواقعة التي تحولت إلى رمز سياسي للحركة الاحتجاجية الحالية.

ومن هذه الزاوية، فإن المعركة لم تعد فقط حول سعر المتر المربع، وإنما حول معنى المدينة والملكية والحق الاجتماعي، وحول السؤال الذي أصبح مطروحاً بقوة في إسبانيا: هل يمكن أن يبقى الاقتصاد السياحي والعقاري في مسار نموه الحالي إذا كان ثمن ذلك إبعاد قطاعات متزايدة من السكان عن المدن التي يعملون فيها؟

الخطر على اليسار ليس السكن وحده

بالنسبة إلى سانشيز وحزبه، لا تأتي أزمة السكن في فراغ سياسي. فالحكومة تواجه أصلاً صعوبات في البرلمان، كما تحيط بها ملفات سياسية وقضايا فساد واستقطاب داخلي، الأمر الذي يجعل السكن فرصة لإعادة تعريف المعركة السياسية حول قضية اجتماعية ملموسة، لكنه في الوقت نفسه يحمل مخاطرة إذا فشل الناخب في رؤية نتائج ملموسة للسياسات الحكومية. وقد اعتبرت تحليلات رويترز أن السكن يوفر لسانشيز فرصة لإعادة تعبئة القاعدة التقدمية وصرف جزء من النقاش عن ملفات أخرى أكثر إضراراً سياسياً بحكومته.

لكن الأزمة تحمل مخاطر أيضاً بالنسبة إلى المعارضة، لأن امتلاك تفسير للمشكلة لا يعني امتلاك حل سريع لها. فرفع البناء إلى 200 ألف وحدة سنوياً، كما يقترح الحزب الشعبي، قد يعالج جانب العرض على المدى المتوسط، لكنه لا يحل فوراً مشكلة الأسر التي تواجه إيجارات مرتفعة اليوم، كما أن تخفيف الضرائب أو القيود يمكن أن يصطدم بالسؤال نفسه: هل ستتحول الحوافز إلى مساكن أكثر وبأسعار أقل، أم إلى ارتفاع إضافي في قيمة الأراضي والعقارات؟

وبذلك يصبح السكن اختباراً لسياسات اليسار واليمين معاً، وليس ورقة سهلة لأي طرف. فالحكومة مطالبة بإثبات أن التنظيم والدعم العمومي يمكن أن يغيرا واقع السوق، والمعارضة مطالبة بإثبات أن زيادة العرض والحوافز الاقتصادية قادرة فعلاً على جعل السكن أكثر قابلية للتحمل بالنسبة إلى الطبقة الوسطى والشباب.

إسبانيا أمام أزمة ثقة في المستقبل

وراء كل هذه الأرقام والسياسات توجد مسألة أكثر عمقاً تتعلق بصورة المستقبل نفسه. فقد كان امتلاك منزل في إسبانيا جزءاً مركزياً من نموذج الاستقرار الاجتماعي، لكن ارتفاع الأسعار والإيجارات جعل الوصول إلى السكن أكثر صعوبة، خصوصاً في المدن الكبرى والمناطق ذات النشاط السياحي القوي. وعندما يبدأ الشباب في تأجيل الاستقلال، وتتأخر قرارات الزواج وتكوين الأسرة، وتصبح المسافة بين مكان العمل ومكان السكن أكبر بسبب ارتفاع الأسعار، فإن أزمة السكن تتجاوز الاقتصاد لتدخل في صميم التحولات الديمغرافية والاجتماعية.

ولهذا فإن المعركة السياسية التي بدأت حول الإيجارات يمكن أن تتحول إلى نقاش أوسع حول النموذج الاقتصادي الإسباني نفسه؛ حول مدى الاعتماد على السياحة والعقار، وحول قدرة المدن على استيعاب النمو السكاني، وحول العلاقة بين الاستثمار الأجنبي والسكن المحلي، وحول حدود السوق عندما يتعلق الأمر بسلعة لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها.

واللافت أن بنك إسبانيا لا يرى في الوضع الحالي تكراراً مباشراً لفقاعة العقارات التي سبقت أزمة 2008، إذ إن مؤشرات المديونية العقارية ومخاطر النظام المالي لا تظهر الاختلالات نفسها التي ميزت الدورة السابقة. وهذا يعني أن الخطر الحالي لا يتمثل أساساً في انهيار مالي وشيك، وإنما في استمرار ارتفاع الأسعار والإيجارات بما يوسع الفجوة الاجتماعية ويجعل الوصول إلى السكن أكثر صعوبة.

المعركة المقبلة ستكون حول سؤال واحد

مع الدعوة إلى انتخابات 29 نونبر، دخلت إسبانيا مرحلة جديدة لن يكون فيها السكن مجرد بند في البرامج الانتخابية، بل سيكون أحد المحاور التي ستدور حولها معركة تعريف الدولة ودورها الاجتماعي. فاليسار يريد أن يجعل من الحق في السكن جزءاً من مشروع حماية اجتماعية أوسع، بينما يدفع اليمين باتجاه زيادة البناء وتحرير العرض وتخفيف الأعباء الضريبية، في حين تضيف القوى اليمينية المتشددة ملفات الهجرة والسياحة إلى تفسيرها لأزمة السكن.

لكن خلف هذه السجالات يبقى السؤال الأكثر صعوبة هو نفسه: من أين ستأتي المساكن؟

فحتى لو اتفقت القوى السياسية على أن أزمة السكن حقيقية، فإن حلها يتطلب سنوات من البناء والاستثمار وتوفير الأراضي وتسريع التراخيص وتوسيع السكن العمومي وإعادة تنظيم العلاقة بين الإيجار السياحي والسكن الدائم. وفي المقابل، فإن ملايين المستأجرين لا يستطيعون الانتظار سنوات حتى تظهر نتائج الإصلاحات الهيكلية.

وهنا تكمن المعضلة السياسية الكبرى التي سترافق إسبانيا إلى صناديق الاقتراع: الحكومة تحتاج إلى نتائج سريعة لتهدئة غضب اجتماعي يتسع، بينما تحتاج أزمة السكن نفسها إلى سنوات حتى يمكن معالجة جذورها. وبين الإجراء العاجل والإصلاح الطويل، وبين حماية المستأجر وزيادة العرض، وبين السكن كحق اجتماعي والسكن كأصل اقتصادي، تتشكل واحدة من أكثر المعارك السياسية حساسية في إسبانيا المعاصرة.

وفي النهاية، قد تكون أهم دلالة في الأزمة أن السكن لم يعد قضية تخص الفئات الأكثر هشاشة وحدها؛ لقد أصبح قضية الطبقة الوسطى، والشباب، والأسر العاملة، والطلاب، والمهاجرين، والبلديات، والمستثمرين، وحتى الحكومة نفسها. وعندما تصبح قدرة المواطن على الاستقرار في المدينة التي يعمل فيها مرتبطة بمواجهة يومية مع سوق العقار، فإن الأزمة لا تعود أزمة عقارات، بل تتحول إلى أزمة في الوعد الاجتماعي للدولة.

ومن هنا يمكن فهم التطور السياسي الذي وقع اليوم: لم تكن الدعوة إلى انتخابات مبكرة مجرد نتيجة لخلاف برلماني حول مرسومين، وإنما جاءت في لحظة أصبحت فيها أزمة السكن نقطة التقاء بين الاقتصاد والشارع والبرلمان والانتخابات. وهذا تحديداً ما يجعلها واحدة من الملفات التي قد تستمر في تشكيل السياسة الإسبانية حتى بعد انتهاء الحملة الانتخابية، لأن المشكلة التي صنعت الاحتجاجات لا تختفي بمجرد تغيير الحكومة؛ إنها مرتبطة بفجوة سكنية تقدر بمئات الآلاف من الوحدات، وبسوق يواصل رفع الأسعار، وبجيل كامل بدأ ينظر إلى امتلاك أو استئجار منزل ليس باعتباره خطوة طبيعية في الحياة، وإنما باعتباره امتيازاً يصعب الوصول إليه.

أزمة السكن تستعر في إسبانيا.. حين يتحول البيت إلى معركة سياسية Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

أزمة السكن تستعر في إسبانيا حين يتحول البيت إلى معركة سياسية



المزيد من التفاصيل - اضغط هنا


هسبريس أزمة السكن تستعر في إسبانيا حين يتحول البيت إلى معركة

كانت هذه تفاصيل أزمة السكن تستعر في إسبانيا.. حين يتحول البيت إلى معركة سياسية نرجوا بأن نكون قد وفقنا بإعطائك التفاصيل والمعلومات الكامله .

وننوه بأن الموضوع الأصلي قد تم نشرة ومتواجد على هسبريس و قام فريق العمل في برسبي نيوز بالتاكد منه او ربما تم التعديل علية او قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس ويمكنك قراءة الموضوع من مصدره الاساسي.

اخبار عربية اليوم